تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومكن للبرتقاليين في كثير من البنادر كبنادر مليبار وجزرات وكنكن وغيرها واستولوا «بحكمتهم وإجماع رأيهم» على كثير من البلدان فبنوا القلاع في هرموز ومسكت وديومحل وسمطرة وملاقة وملوكو وميلابور وناك فتن، والأخيران من بنادر شولمندل. واستولوا على بنادر كثيرة من جزيرة سيلان، كما استولوا على زنجبار وممبسة وموسامبيق وملندة، ووصلوا إلى الصين وصارت لهم التجارة في هذه البنادر وغيرها، وذل تجار المسلمين وصاروا لهم كالخدمة لا يمكنونهم من التجارة إلا فيما قلت رغبتهم فيه. وأما ما أهمهم اقتناؤه من البضائع وكثرت فائدته فيستأثرون به لا يمكنون غيرهم من الإتجار به، وقطعوا على المسلمين طريق السفر إلى بر العرب وملاقة وأشى ودناصري وغيرها، وانقادت لهم رعاة البنادر حتى صار الحكم فيها حكمهم، وانقطعت أسفار البحر إلا بأمانهم وجوازاتهم، وكثرت تجاراتهم ومراكبهم ومنازلهم وقلاعهم، وقلت تجارات المسلمين إلا على السفن البرتقالية. وفي سنة تسعين أو إحدى وتسعين وتسعمائة اشتدوا في المرابطة على متعلق السامري، فتعطل سفر المراكب وانقطع جلب الأرز إلى بلاده فوقع فيها قحط عظيم.

استندنا في أكثر هذا إلى ما رواه زين الدين، وقد وصف البرتقاليين بأنهم «أهل مكر وخديعة، عافون بمصالح أمورهم، يتذللون لأعدائهم وقت الحاجة غاية التذلل، وإذا انقطعت حاجتهم سطوا عليهم بكل ممكن. وكلهم كلمة واحدة لا يخالفون أمر كبرائهم، ولا يختلفون بينهم مع بعد المسافة عن رعاتهم، ولم يسمع أن أحدا منهم قتل كبيرهم لأجل الولاية، ولذا دانت لهم مع قلتهم رعاة مليبار وغيرها؛ بخلاف ما عليه عساكر المسلمين وأمراؤهم من الاختلاف وطلب الاعتزال عن الغير ولو بقتله.»

ولقد استعمر البرتقاليون سواحل إفريقية على بحر الظلمات، وأسكنوا قومهم بلاد البرازيل وعمروها برجالهم كما احتلوا بعض سواحل أميركا، ثم نزعت أيديهم عن أكثرها، وداموا

8

نحو مائتي سنة أصحاب شأن في الاستعمار، واغتنوا من تجارة الأبازير والأحجار الكريمة والعبيد أي غنى. واغتنى ملوكهم بما جبي إليهم من أموال الخراج والمكوس والاحتكارات والأرض من بلدان إفريقية الشرقية وغيرها، وكان عمالهم يرتكبون ضروب المظالم والإرهاق في جمعها، فكثرت أموال البرتقال بهذه الفتوحات العظيمة، وأصيب البرتقاليون في أقل من نصف قرن بزهو وغرور وما يتبعهما من فساد الطباع والأخلاق، مما تولدت منه أحقاد في صدور من نزلوا عليهم وحكموهم بالجبرية والعنف، ولا سيما العرب الذين حاربوهم نحو قرن ونصف للقضاء على سلطانهم، حتى جمع العرب شملهم تحت راية صاحب عمان من أمراء المسلمين، وانتزع الحكم في سنة 1658م من يد البرتقاليين، وذلك من رأس دلجادو إلى جردفون، وذل البرتقاليون وقتل ألوف منهم، ولطالما قتلوا المسلمين وأحرقوا مساكنهم، وكم من مدينة دمروا، ومن أصقاع تركوها بلاقع على ما روى ذلك «جيان» الملاح الفرنسي؟ واستعمر الإسبان بفضل خريستوف كولمبس البلاد التي احتلوها في القرن السادس عشر، وهي تتناول معظم سواحل القارة الأميركية من جنوبها، ثم خرجت كلها عن حكمهم أوائل القرن التاسع عشر لسوء إدارة رجالهم، وكان من قواعدهم في استعمارهم أن لا يذهب إلى أميركا إلا من كان من أسرة إسبانية كاثوليكية لم يحكم ديوان التحقيق الديني على أحد من أفرادها منذ جيلين، وذلك لمدة سنتين فقط، وتاريخ استعمار الإسبان في جنوبي أمريكا وما فيه من أنواع الفظائع التي ارتكبوها من غير نكير، لاستلاب الذهب والأحجار الكريمة من العبيد سكان البلاد الأصليين، وإفحاشهم في ظلم من امتنعوا من التنصر، يشبه ما أتاه البرتقاليون من الظلم، للاستئثار بتجارة الأبازير والجواهر في الهند وما إليها.

الاستعمار الهولاندي والإنجليزي والفرنسي وغيره

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٣٥