تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال أيضا:

34

كانت الشام على عهد الأمويين وأوائل عهد العباسيين من البلاد التي رأت حضارة بلغت أقصى حدود رقيها، وأصبح العرب أساتيذ بعد أن كانوا تلاميذ، واستفاضت العلوم والشعر والفنون الجميلة أي استفاضة، ودام نجاح الشام إلى عهد التقسيم الذي مزق مملكة الخلفاء، وعندها أخذت بالضعف، ولكنها لم تنطفئ شعلتها كل الانطفاء إلا عندما سقطت في حكم الأتراك، ولم يكن الخراب مطلقا، فإن معظم عجائب البذخ والفنون والصناعة التي جمعتها العرب قد زال أثره، ولم تلبث بعض العواصم مثل صور وصيدا أن أصبحتا في حكم قريتين كبيرتين، وعريت الجبال من أشجارها كل التعرية، وأقفرت القرى من سكانها، وكانت من أغنى الأرضين، وفي هذه الأماكن التي طالما أمرعت في غابر الدهر، أصبح العشب لا ينبت، منذ ضغطت عليها أيدي الترك. ا.ه.

هذا رأي لبون في حكمه على الأتراك واستعدادهم للحضارة، وما أثروه في بلاد العرب، ومن العدل أن لا يفوتنا أن انحطاط العرب بدأ بذهاب الدولة العباسية، وبأمثال هولاكو وجنكيز وغازان وتيمور من المغول. وكان العلم يعيش في البلاد الإسلامية بقوة التسلسل المنبعثة من أصله المتين، فلما جاء الأتراك العثمانيون لم يزيدوا أوضاعا من شأنها تقوية العلم، بل سكتوا على ما كان، فزاد بهم التأخر؛ لأنهم لم يسعهم أن يأخذوا بأيدي الناس إلى مضمار التقدم في العلوم والآداب، ولو بصرف العناية في إخراجهم من الأمية.

جهل الترك وتجهيل العرب

ومن أدهش ما يدون في عهدهم أن أحد وزراء المعارف المتأخرين كان يضع مناصب التدريس في المدارس الثانوية في المزاد، ويتولى المنصب أجرأ المدرسين على تنقيص المشاهرة، يوسد إلى من اقتنع بالقليل في هذه التولية، مهما بلغ من جهله في الفن الذي أخذ على نفسه تدريسه بهذا الراتب الضئيل. وحدث أنهم وسدوا دروس الدين إلى غير المسلمين في المدارس الثانوية، وكان من العادة في المدارس الوسطى بالبلاد العربية أن يعهد إلى أبناء العرب الذين لا يحسنون التكلم والكتابة بالتركية بتدريس الآداب التركية، وإلى الأتراك الذين لا يجيدون تأليف جملة واحدة بالعربية أن يدرسوا الصرف والنحو والمنطق والبيان العربي. أما المدارس الابتدائية فمعلموها خرجوا على الأكثر من غمار الجهلاء، وليس غير بعض المدارس العالية في العاصمة كالمدارس الملكية والحربية والطب والهندسة، في أواخر أيام الدولة، يتولى التدريس فيها علماء أجلاء من الترك والعرب والأرمن والروم والفرنسيس والألمان وغيرهم.

ولو عني العثمانيون بالتعليم عنايتهم بالجيش منذ القديم، لما وصلت بلادهم إلى ما وصلت من الجهل، ولما صار المسلمون في أيامهم إلى الانحطاط المبكي، ودولتهم جعلت التعليم صوريا لا حقيقيا. وبينا لا نجد في كل مائة قرية في بلاد العرب مدرسة ابتدائية واحدة، نرى الدولة من جهة أخرى قد بلغت بها الغيرة على نشر لغتها أن تكتب العقود وأسناد الضرائب والمواثيق والأحكام باللغة التركية، وأعظم من هذا أن حظرت استعمال اللغة العربية في المحاكم النظامية في التقاضي والكتابة، فحاربت بذلك العرب والعربية جهارا، حربا ليس فيها شيء من المنطق، وأتى زمن ولا من يحسن القراءة العادية في عدة قرى كبيرة، بل حدث أن بعض النابهين في بليدة إسلامية أراد أن يعلم ابنه القرآن فلم يجد له فيها شيخا يستطيع إقراءه إياه، فعمد إلى راهب يقرئه لابنه ففعل. وكان المسلمون أيام كان لهم بقايا من العلم يقرئ علماؤهم أهل الذمة كتبهم الدينية، فقد وقع لكمال الدين بن يونس

35

في الموصل وعز الدين الإربلي في دمشق من أهل القرن السابع أن قرأ عليهما أهل الذمة التوراة والإنجيل، وكانا يشرحانهما لهم ويعلمانهم الكتابين على طريقة حسنة ليست في استطاعة الحاخامين والقسيسين أن يقرءوهما لهم في ذاك العهد، يدرسان ذلك على نحو ما كانا يقرئان المسلمين والفلاسفة.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٣٢