30
أراده السلطان على استيطان بلاده هو وتلاميذه وأعطاه مدرسة أيا صوفيا، فلما هلك الفاتح اضمحل كل ما أسسه القوشجي؛ لأن من العادة هنا أن يزول كل عمل بزوال عامله الأول، وكل ملك يغير طريقة حكمه بحسب معرفته، وقد يحسد سلفه على ما صنع من جميل ولو كان أباه، فيقضي عليه أو يتراخى في إنجازه، وما كانت المدارس الدينية في الآستانة، بل في الأناضول والروم إيلي في الأدوار السالفة إلا صورة من انحطاط التعليم، لا نور فيها إلا بقدر ما تخرج تلاميذ وسطا لتولي الوظائف الدينية، وقل أن جاء فيهم عالم كبير يذكر، وعالمهم من كان يحسن النقل والاختصار والجمع، مع ركاكة أعجمية بادية، وإبهام في كتبهم لا تحل رموزه ومعمياته، خلافا لما ألفه الفرس وعلموه باللغة العربية. على أن العثمانيين يشكرون على أن لم يغفلوا في معظم أدوارهم العناية بالدروس الدينية باللغة العربية على رسوم دول الإسلام.
هذا في العلوم الدينية، أما في العلوم المادية فقد قال مؤرخو الترك والإفرنج: إن الأتراك طاردوا
31
علماء بيزنطية فكانوا سبب نهضة إيطاليا ونشر المدنية الحديثة، ولا ينكر أحد أن الأتراك أرسلوا من الآستانة مواد بناء المدنية، فإن أوروبا على ما قيل مدينة بمعارفها الحاضرة إلى بضعة من فضلاء بيزنطية هاجروا منها إلى إيطاليا بدخول العثمانيين، أمثال يناديس وساريون ويوركي الطربزوني وكسطى وسكارديس وفرانجس وميخال دوكا.
بيد أن كل تدبير للنهوض يضعف تأثيره إذا لم تكن الأمة متأهبة لقبوله، ويعترف علماء الترك أنه لم يظهر فيهم رجل
32
من عيار ابن رشد الفيلسوف، فكر بحرية ثم كتب ما فكر فيه بجرأة، ولم ينبغ فيهم ولا مؤلف واحد يشبه من خرج من العرب في أدوار ارتقائهم، والأتراك بعد ستمائة سنة في الحكم لم يفارقوا الأخلاق التي عرفوا بها يوم جاءوا من بلادهم الأصلية - كما قال جناب شهاب الدين - ونزلوا بلاد صاحب قرمان شراذم
33
يرعون أغنامهم ومواشيهم، ولما استصفوا تلك البلاد وأنشأوا لهم حكومة، وتوسعوا في السلطان وتبسطوا في رحاب المدنية القديمة، وأسسوا على أنقاضها تلك الإمبراطورية العظيمة، لم يتجردوا من صفاتهم، وظلوا بعد كل هذا على أخلاق الرعاة؛ يظنون كل الناس غنما لهم وسائمة، يقودونها كما يشاءون، ويتصرفون بأوبارها وألبانها، بل بلحمها وعظمها، ولكن رعية الغنم غير رعية الأناسي، وهيهات أن تقوم بهذه الذهنية مدنية تذكر، يريد أن يقول، وهو تركي الجنس: إن قانون الرجعة قضى على الترك أن يظل دمهم كما كان، وإن قضوا أجيالا في بيزنطية الجديدة.
رأي لبون في الترك والتتر
رأينا البلاد التي خضعت للترك قرونا متقهقرة متراجعة، خرجوا منها كما دخلوا إليها على مركبات البقر، على ما وقع لهم في الروم إيلي، وكانوا إذا فتحوا بلدا عمروا فيه ثكنة أولا وجامعا ثانيا، أما المدرسة فلا تعمر إلا بعد سنين طويلة وبدواع كثيرة، يعمرها بعض نبهاء عمالهم على الأكثر بالسخرة وأموال المظالم والمغارم؛ وذلك فرارا بأموالهم من المصادرات، أو بأنقاض الجوامع والمدارس القديمة، وما أكثر ولوعهم بالبناء على الأنقاض! وهذه المدارس إذا قيست بما كان من نوعها في مصر لا تعد شيئا، وقد نظر لبون إلى عمل الترك في التمدين نظرة قدر معها الأشياء بقيمتها في الجملة، فقال: جاء الأتراك بعد العرب فاستولوا على جزء عظيم من بلاد الشرق ومنها مصر، والأتراك إذا نظر إليهم من الوجهة السياسية كان لهم عصر عظمة، فإن سلاطينهم الذين خلفوا إمبراطرة القسطنطينية، ورفعوا علم الهلال على كنيسة أيا صوفيا بدلا من الصليب اليوناني، قد أدخلوا الرعب زمنا طويلا على قلوب أشد ملوك أوروبا شكيمة، وتوسعوا في نشر كلمة الإسلام، بيد أن سلطانهم كان أبدا عسكريا محضا، أثبتوا كفاءتهم لتأسيس مملكة ضخمة، وكانوا إلى العجز في كل أيامهم عن إحداث مدنية لهم، وما كان أقصى همهم إلا أن ينتفعوا بما كان تحت أيديهم، فأخذوا عن العرب العلم والفنون والصناعة والتجارة وما إلى ذلك، وفي جميع المعارف التي برز فيها العرب لم يؤثر للترك أدنى ارتقاء. وكما أن الشعوب التي لا ترتقي تتراجع بحكم الطبيعة، ما عتمت ساعة انحطاط الترك أن حانت. وترجع نهاية تاريخ مدنية العرب في الشرق إلى اليوم الذي انتقلت فيه القوة الحربية في بلادهم إلى أيدي غيرهم، وظل التاريخ يذكر العرب لما لهم من التأثير الديني، ولكن مستوى المدنية التي بلغوها لم توفق العناصر التي خلفتها إلى الاحتفاظ به، وكانت مصر أعظم البلاد التي ابتليت بهذا الانحطاط العظيم، فبدأ تدنيها من العصر الذي انتصر فيه السلطان سليم، وجعل مصر ولاية من ولايات السلطنة العثمانية، فضعفت فيها الفنون والعلوم والصناعة بالتدريج . وكانت مصر كسائر الولايات التي ربطت بالآستانة، يديرها ولاة يتوالى تبديلهم، ولا يفكرون إلا بأن يغتنوا سريعا، فمسخ رونق البلاد القديم، ولم يقم أقل مصنع جديد، وأهملت المصانع التالدة، وخلت من يد تتعهدها، ولم يبق منها إلا ما غفلت عنه الأيام. قال: وإن من الرعايا من هم أرقى أخلاقا من حكامهم، وإن الشعب التركي خلق جنديا لا مثيل له، وإن بلادهم بأسرها خراب، وهي مزيج من عناصر أذلها الأتراك وما تمثلوها. قال: إن المغول خلفوا العرب في الهند فأخذوا عن المدنية العربية، وإذا عجزوا عن أن يرقوا بها فقد أحسنوا الانتفاع منها فرقيت الهند على عهدهم.