2
طويل في صفة كبيرة فيه خزائن من كل وجه، وقد ألصق إلى جميع حيطان الأزج والخزائن بيوتا طولها قامة في عرض ثلاثة أذرع من الخشب المزوق، عليها أبواب تنحدر من فوق، والدفاتر منضدة على الرفوف. لكل نوع بيوت وفهرستات فيها أسامي الكتب. وكان عضد الدولة
3
محبا للعلوم وأهلها فقصده العلماء من كل بلد وصنفوا له الكتب، ولا تظن أن عضد الدولة كان كأكثر الملوك يخرب أقاليم ليعمر له قصرا، بل كان عاقلا فاضلا حسن السياسة شديد الهيبة، أما أبوه ركن الدولة، وكانت إمارته أربعا وأربعين سنة، «فقد أصيب به الدين والدنيا جميعا لاستكمال خلال الخير فيه.»
ولقد كانت بخارى وسمرقند عاصمتي العلم على عهد السامانيين حتى كادت حضرتهم تماثل حضرة بني العباس، «وكانت بخارى في الدولة السامانية مثابة المجد، وكعبة الملك، ومجمع أفراد الزمان، ومطلع نجوم أدباء الأرض، وموسم فضلاء الدهر.» وكان في مراغة
4
إلى القرن السابع آثار وعمائر ومدارس وخانكاهات حسنة، وكان فيها أدباء وشعراء ومحدثون وفقهاء وكذلك كانت همذان، وما زالت إلى تخريبها بجند تيمورلنك «محلا للملوك ومعدنا لأهل الدين والفضل»، وأنشأ محمود بن سبكتكين في عاصمته غزنة من المصانع الجميلة ما يعد دهشة الأمصار، وكان قصره مجمع الشعراء والعلماء، ومنهم البيروني
5
سيد علماء العالم في القديم، وأعظم رياضي نبغ في الإسلام، ومنهم الفردوسي
6
الشاعر، والعتبي الكاتب، إلى عشرات أمثالهم من المغنين والشعراء.
وما لنا ووصف تلك العواصم، واستقصاء أخبار كل واحدة منها، وما أبدع فيها رجالها من علم وعمل يحتاج إلى مجلدة، وكذلك تاريخ المدن
7
التي أنشأتها العرب أو جددتها كالبصرة والكوفة وبغداد وسامرة وواسط ومراغة وشيراز وقصر ابن هبيرة وعسكر مكرم وأردبيل وسرخس وسمرقند وبيكند وبوزجان وسامان وشهرستان ودهسيان وأذنة والمصيصة وسلمية والفسطاط والقطائع والقاهرة والقيروان والمهدية وبونة وبجاية ووهران ورباط الفتح وتامدلت ومراكش وفاس والمسيلة وبطليوس وتطيلة والمرية والزهراء إلى غيرها من المدن العربية.
والغاية هنا أن نمثل تمثيلا خفيفا لتلك الحضارة الرائعة في قواعد البلاد، وحسبك في تصويرها أنه كان في مدينة مرو فقط - وكانت مرو ونيسابور وبخارى مستقر ولاة خراسان من أول ما ملكها العرب - عشر خزائن للوقف. قال ياقوت: إنه لم ير في الدنيا مثل كتبها كثرة وجودة، وما خلت كل مدينة من مدارس وخزائن كتب وعلم وعلماء، وكثيرا ما كانت بعض القرى تشبه المدن في هذا المعنى على صورة صغيرة، دام ذلك إلى أوائل المائة السابعة، وقد طغى المغول على بلاد الإسلام تحت راية جنكيز، أعظم فاتح عرفه التاريخ، وأعظم مخرب قام في الأرض، خرب أقطارا وأمصارا، وما عرف له من غرض في ذلك إلا حب التخريب؛ ولذلك قالوا: ما دهي الإسلام بمثله، امتدت مملكته من بحر الصين إلى البحر الأسود،
8
واستولى على ما وراء النهر وخوارزم وخراسان وهرات وقندهار وملتان وأفنى أهلها، وقتل كل من كان فيها من كبير وصغير،
9
ثم خربها حتى ألحقها بالأرض، وتركها بلقعا ينعق الغراب في ربوعها، وأتى على ما تعب العرب بإيجاده ستة قرون في غزنة ونيسابور وشيراز وبخارا وسمرقند وغيرها من البلدان، وكانت من أعظم عواصم العلم وحواضر الإسلام، وبمن قام فيها من العلماء والفضلاء تمت آيات باهرة من الحضارة العربية ممزوجة بالحضارة الفارسية، فقضى المغول على كل ذلك حتى إن بعض المدن الكبرى هلك سكانها كلهم وخربت برمتها، وكم من خزائن
10
كتب أحرقت، ومن مدارس علم قوضت، ومن مراصد فلكية دمرت، وكان أهم سبب في فقدان أكثر ما ألفه علماء المسلمين وحكماؤهم من التصانيف ما أتاه جنكيز وأولاده وأحفاده، ثم جاء هولاكو المغولي فدك أعظم ركن للإسلام، وخرب مدينة دار السلام، وناهيك بها من فاجعة قضت على آخر معقل من معاقل الحضارة. وما أفاد تلك الأقطار استرجاع حكومات الإسلام لها فيما بعد، فإن جنكيز في أول القرن السابع، وهولاكو في منتصفه وتميور أواخر الثامن وأول التاسع، إلى غيرهم من أمراء المغول الأشرار كانوا إذا سلم بلد أو إقليم من عبث الأول جاء الثاني فأتم ما أغفل الأول، وإذا فرض أن نجا صقع من الثاني فالثالث يأتي عليه لا محالة، وعلى الجملة فإن المغول من الشرق والبربر من الغرب قضوا على المدنية الإسلامية.