تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا ما استفاده الصليبيون من حرب المسلمين في الشام، وهذا ما استفاده المسلمون من مهاجميهم في ديارهم، وبذلك رأيتم أن الصليبيين كانوا ظالمين لأنفسهم ولغيرهم في إثارة تلك الحرب المشئومة، وجنوا بإغراء رجال الدين منهم، فألقوا بهم إلى التهلكة، وأضاعوا من صيت فرسانهم، وفقدوا من شممهم وعزة أنفسهم، لما حلوا غير أرضهم يقتلون كل بريء، ويخالفون القوانين المرعية بين البشر. ومهما كان من النتائج التي نشأت للفريقين من هذه الحروب الطويلة، فإن الخسائر المادية يصعب تقديرها، وتعلم الصليبيون أمورا كثيرة من مدنية العرب، ولكن كانوا يستطيعون أن يدرسوا حضارة هذه الأمة في الأندلس وصقلية، من دون تقتيل مئات الألوف منهم ومن غيرهم، «رجع الآلاف

16

من الغزاة الصليبيين إلى بلادهم وحملوا إلى الناس أخبارا تناقض ما كان ينشره دعاة الحرب من رؤساء الكنيسة من أن المسلمين جماعة من الوثنيين غلبوا على الأرض المقدسة وأجلوا عنها دين التوحيد، ونفوا منها كل فضيلة وإخلاص، وهم وحوش ضارية وحيوانات مفترسة، فلما قفل الغزاة إلى ديارهم قصوا على قومهم أن أعداءهم كانوا أهل دين وتوحيد ومروءة وذوي ود ووفاء وفضل محبة.»

اعتصم المسلمون في هذه الكارثة العظمى بحبل الله، ورضوا بما قدره وقضاه، وخلعوا عنهم ثوب الخمول، وابتعدوا عن كل هزل وفضول، التحفوا شعار الجد والاجتهاد، لخوض غارات المغول والأتراك على الحضارة العربية غمرة هذا الجهاد، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا.

| غارات المغول والأتراك على الحضارة العربية

حضارة المدن الإسلامية

لئن كان من استقلال بعض أمراء القاصية عن الخلافة العباسية ما دعا إلى فصم عرى الجماعة، فإن هذا الانفصال مهما كان نوعه نشأت منه أيضا فوائد عظيمة في عمران البلاد ورسوخ الحضارة العربية فيها، فبنو الأغلب في إفريقية، وبنو طولون وبنو عبيد في مصر، وبنو سامان في بخارى، وبنو بويه في شيراز، وبنو سبكتكين في غزنة، كل هؤلاء نسجوا على منوال بني العباس في بغداد، فصارت كل عاصمة من هذه العواصم بتراتيبها وعلمها مثل دار السلام مصغرة.

وكأي من قاعدة كقرطبة والقيروان والفسطاط ودمشق وبخارى وسمرقند وبلخ وهراة وأصبهان والري ومرو ونيسابور وشيراز ومراغة وهمذان وخوارزم بل سجستان وجرجان وطبرستان وقزوين وجوين وبست وسرخس وبيهق وأشر وسنة وفرغانة والصغد والشاش وطوس وغيرها من بلاد الشرق كانت آية في حركتها العلمية، وضع الأمويون أساسها، وترسم خطاهم فيها بنو العباس فألبست ثوب القطر الذي انتشرت فيه، ودخلت معظم هذه المدن في طور مدنية أصبحت معها كل واحدة منها دار علم وحكمة، تدرس فيها العلوم على اختلاف صنوفها باللغة العربية، والناس في أرض الترك والفرس والخزر يتقدمون كل يوم خطوة من التعرب، أما البربر في الغرب فإنهم أنشأوا بسيوفهم ممالك في تاهرت وسلجماسة وتلمسان والريف وفاس ومكناس، واستولوا على الأندلس لكن المدنية أضرت بهم لما

1

احتكوا بأهلها في البلاد الأندلسية فقضت عليهم كما قضوا عليها، فكان شأنهم شأن المغول في فك عرى المدنية الإسلامية وقلة الاستعداد للأخذ بمذاهبها؛ فإن مذاهب الترف استولت على صنهاجة ومنهم المرابطون فهلكوا فيها كما هلك قبل ثمانية قرون أسلافهم الفانداليون في شمالي إفريقية. وصف المقدسي الري في القرن الرابع، فقال: «إن فيه مجالس ومدارس وقرائح وصنائع ومطارح ومكارم وخصائص، لا يخلو المذكر من فقه، ولا الرئيس من علم، ولا المحتسب من صيت، ولا الخطيب من أدب، هو أحد مفاخر الإسلام وأمهات البلدان، به مشايخ وأجلة، وقراء وأئمة، وزهاد وغزاة وهمة.» ووصف قصر عضد الدولة في شيراز، وكان فيه ثلاثمائة وستون غرفة يجلس كل يوم في واحدة، فقال في خزانة كتبه: إن عليها وكيلا وخازنا ومشرفا من عدول البلد، ولم يبق كتاب صنف إلى وقته من أنواع العلوم كلها إلا وحصله فيها، وهي أزج

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٢٥