تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

استعداد المغول للحضارة

التتر والترك والتركمان أجيال كثيرة، يرجعون بأصولهم إلى الجنس المغولي، ومنهم بادية رحالة ومنهم حضر ينزلون القرى والمدن. وكان الترك من أول من دان بالإسلام من هذه الشعوب، وبقي المغول والتتر إلى القرون الأخيرة على أديانهم القديمة، ونزل السلجوقيون الأتراك بلاد فارس والعراق والروم وكرمان والشام، وكان ملكشاه وألب أرسلان من أول ملوكهم الذين كانوا على شيء من العدل وحسن التدين، وكان أكثر هؤلاء السلجوقيين

12

يحبون العلم والآداب، ولا سيما ملكشاه ومحمد وسنجر، ويعطفون على العلماء، وقد ارتقت البلاد الإسلامية في أيامهم ارتقاء محسوسا، وانتشرت العلوم والآداب ونبغ العلماء والأدباء، وهذب الإسلام من نفوسهم، وألقى الرحمة والشفقة في قلوب جيوشهم، فما ارتكبت ما ارتكبه جنكيز وهولاكو وقومهم وكان هؤلاء ما زالوا على وثنيتهم ووحشيتهم. يقول هوتسما:

13

إن المغول والترك كانوا في كل زمان لا يحفلون كثيرا بالأديان المختلفة وليسوا من طبيعتهم متعصبين لها.

خرب جنكيز عواصم العلم في فارس مثل طوس ونيسابور وقزوين وأصفهان وشيراز ومراغة وغيرها،

14

وأكمل من أتى بعده تدميرها وكان سلاطين السلاجقة ووزراؤهم يتبارون في إقامة المصانع كالجوامع والمدارس والجسور والفنادق،

15

واهتم ملكشاه بالعلوم وإن لم يكن عالما، فكان ورجاله يقدرون قدر ما حرموه من نعمة المعرفة، وتركوا إدارة البلاد لوزرائهم مثل نظام الملك الذي كان مطلق اليد في الحكم، فكان السلجوقيون بما لقفوا من الثقافة العربية الفارسية يدافعون قومهم عن العبث بالمدنية ويحمونها من غاراتهم، ويسوقونهم إلى الأخذ بحظ منها، وللسلجوقيين أياد بيضاء على الإسلام يوم جدت غارة الصليبيين عليه، وكفاهم أنه كان من أمرائهم أمثال آل زنكي ومنهم نور الدين محمود مثال العادلين في السلاطين، ومن وزرائهم أمثال نظام الملك نصير العلم والعلماء.

وبينا كانت في هذا الشرق القريب تتألف كتلة صغيرة تدفع الصليبيين عن سرة بلاد الإسلام مصر والشام، فتخرب مدن وحصون، وتندك معالم وجوامع، كان جنكيز يخرب في أواسط آسيا بلاد المسلمين، ولم تكد تدفع الشام عنها عادية الحروب الصليبية حتى جاء هولاكو بغداد يخربها ويقتل الخليفة المستعصم ويقضي على جلة الفقهاء ورجال الدولة، يضع السيف في دار السلام

16

أربعين يوما، ويستخرج الأموال والتحف بأنواع العذاب، ويحرق معظم تلك المدينة الساحرة، وزادت عدة القتلى عن ثمانمائة ألف، عدا الأطفال ومن هلكوا في السراديب والقنى والآبار، وأحرق قبور الخلفاء ونبش عظامهم، وبنى بكتب العلماء إصطبلات الخيول وطوالات المعالف عوضا عن اللبن. وقيل: إن ماء دجلة تغير لونه لكثرة ما ألقى فيه التتر من الكتب والأوراق. وقيل: إنه أقام بكتب العلم ثلاثة جسور على دجلة، هذا عدا ما نهب من البلاد التي احتلها، فملأ في مراغة خزانة عظيمة من الأسفار، نهبها من بغداد والشام والجزيرة، حتى تجمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد.

17

ومن أعظم البلاء في القضاء على الخلافة العباسية بدار السلام أن الرافضة عاونوا

18

هولاكو على المسلمين، لما جاء إلى خراسان والعراق والشام، كما كانوا عاونوا جده جنكيز قال ابن تيمية: وكان العلقمي وزير الخليفة منهم فلم يزل يمكر بالخليفة والمسلمين ويسعى في قطع أرزاق عسكر المسلمين وضعفهم وينهى العامة عن قتالهم، ويكيد أنواعا من الكيد حتى دخلوا فقتلوا من المسلمين ما يقال إنه بضعة عشر ألف ألف إنسان أو أكثر أو أقل، ولم ير في الإسلام ملحمة مثل ملحمة الترك الكفار المسمين بالتتر. ا.ه.

وجاء في آخر القرن السابع (699) غازان التتري يفتح الشام ، وكان أسلم قبيل توليه ملك الإيلخانية في تبريز، فخرب وأحرق وقتل وصادر وعذب على استخراج المال وأحرق قسما مهما من دمشق، منها بعض أمهات مدارسها وجوامعها، وأخذ من دمشق ثلاثة آلاف ألف دينار وستمائة ألف دينار سوى التراسيم والبراطيل والاستخراج لغيره من الأمراء والوزراء، وحجته في حرب أمراء مصر والشام أنهم خارجون من طريق الدين ليس لهم وفاء ولا زمام، يجورون على الرعية ويمدون أيديهم العادية إلى حريمهم وأموالهم.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٢٧