وفي الحقيقة إن الصليبيين كان يشعر ظاهرهم بأنهم يقصدون خدمة دينهم بالاستيلاء على القبر المقدس، مهوى أفئدة الأمم النصرانية، ولكن الواقع أنهم كانوا منحلين من جوهر الدين، وأقرب إلى نزع شعاره متى رأوا مغنما لهم، أو فاحشة يأتونها، أو حيلة يحتالونها، أو جناية يجنونها، ولا يدركون عواقبها عليهم وعلى قومهم وأممهم؛ فقد ذكر العماد الكاتب
14
كيف أرسل الصليبيون في الغرب إلى إخوانهم الصليبيين في فلسطين بضع مئات من النساء يبذلن أنفسهن للمتحاربين من إخوانهم، مما تأباه الشرائع السماوية كل الإباء، وهذا معنى قول لبون: إن الصليبيين كانوا متوحشين جهلة قليلا دينهم ويقينهم، خلافا لمن يحاول أن يلبسهم ثوبا براقا شفافا من المدنية، وما دثارهم إلا الجهل والحماقة، وما شعارهم إلا التعصب والاستهتار.
سياسة صلاح الدين واستفادة الصليبيين
قبل الحروب الصليبية كان لا يعرف الشرق من الغربيين غير أفراد أذكياء رحلوا في التجارة، أو جاءوا فلسطين للزيارة، أو نزلوا الأندلس وصقلية في طلب علم لا يعرفونه، أما في هذه الحروب فقد عرفوا الشرق الإسلامي، وكان الواغلون عليه من مختلف الطبقات، فرأوا المسلمين في عقر دارهم، وحققوا أنهم ممتازون بصفات حربية وأدبية وعلمية واجتماعية، رأوا أمة تحررت من قيود الدينيين بعض التحرر، وأنها أمة من طراز غير ما يعرفونه من أجيال الناس، نقول: تحررت من قيود الدينيين؛ لأنا رأينا صلاح الدين لم يرض أن يشرك رأيه مع رأي الفقهاء في هذه النازلة، فكان اعتماده على رأيه ورأي قواده وأهل الحنكة من رجاله، لعلمه بأن نظر رجال الدين يختلف في مثل هذه الأحوال عن نظر رجال السياسة، ولو عمل يوم فتح القدس برأي الفقهاء وعامل الصليبيين بالقسوة التي عاملوا بها المسلمين غداة فتحهم تلك المدينة؛ لأقام في كل دار في الغرب مأتما، ولما انحلت العقدة المهمة من الحروب الصليبية، فكان نظره أرقى من نظر من أشاروا عليه بقتلهم عن بكرة أبيهم، ومعاملتهم بمثل ما عملوه.
أما الصليبيون فكانوا تحت سلطان رجال الدين مباشرة؛ إذا أحب رجال السياسة المسامحة مع المسلمين دعوهم إلى المشاكسة، وإذا رأوا من الحكمة الوفاء بالعقود والعهود، أباحوا لهم التفلت من كل الأيمانات والقيود، أراد ملك إنجلترا أن يزوج أخته من الملك العادل أخي صلاح الدين، وأن تكون لهما البلاد الساحلية الإسلامية والإفرنجية؛ فللإفرنجية من جانب أخيها، وللمسلم من جانب السلطان، فأنكر رجال الدين على ملك الإنجليز وضع أخته تحت مسلم بدون مشاورة البابا، وبالطبع لم يشر هذا إلا بأن يدين الملك العادل بالنصرانية، فلم يتم شيء من هذا التدبير. ورأى بعضهم
15
أن الحروب الصليبية التي بدأت في القرن الحادي عشر وانتهت في القرن الثالث عشر تعد بالنسبة للغرب نهضة انبعثت من الطبقات النازلة بدعاية بطرس الناسك الذي جند تحت علم الصليب جمهورا من الفلاحين وأبناء الشعب، وهذه الثلاثة القرون التي استغرقت بالحروب الصليبية وانتهت بالقرن الثالث عشر ودعيت بعصور الإيمان كانت الدور الذي خلا في أوروبا النصرانية من عقد ديوان التحقيق الديني بأمر الكنيسة أو بأمر الحكومات.
وفي التاريخ العام أن من الفوائد التي عادت على الغربيين من الحروب الصليبية: تحرير أصحاب الأرضين من رقهم، وتقوية السلطة الملكية، وإدخال تعديل على نظام الإقطاعات، وانتشار الشعر الغنائي واغتناء إيطاليا، وضعف قوة التدين، ووهن سلطة الباباوات إلخ. وربما كان من أهم ما استفادت أوروبا انتقال الثروات من أيدي الأمراء والزعماء إلى أرباب الطبقات الوسطى والدنيا من أهلها، فباع من باع من الكبراء، وابتاع من عمل بأرضه ومتجره فاغتنى واقتنى الرباع والضياع.
وذكر ميشو أن الفرنسيس والنورمانيين وسائر شعوب شمالي أوروبا المتوحشة في القرن الثاني عشر للميلاد، كانوا في حالة البداوة، وهذا ما ساعدهم على إعلان الحروب الصليبية في الشرق، فلما نشأت المدنية الحديثة في القرن السادس عشر وتسربت أولا إلى الملوك، أصبحوا لا يرون الاغتراب عن أوطانهم، ولا الشعوب أن تفارق مساقط رءوسها، وعمت الصناعات، وحسنت الزراعة، وانتشر العلم، وغدا ذكرى كل مدينة، وكل أسرة، ومصطلح كل شعب وقطر، والألقاب والامتيازات، والحقوق المستحصلة والأمل في تنميتها، كل ذلك قد غير من أخلاق الفرنج، وبدل من ميلهم لحياة التنقل والارتحال، وجعلها صلات تربطهم بالوطن. وكتب التوفيق للملاحة في القرن التالي بالكشف عن أميركا، واجتاز الملاحون رأس الرجاء الصالح، فنشأ من هذه المكتشفات تبدل كثير في التجارة، وأخذت الأفكار تتجه وجهة جديدة، وأنشأت المضاربات الصناعية التي كانت قائمة بالحروب الصليبية تسير نحو أميركا والهند الشرقية، ففتحت أمام الغربيين ممالك كبرى وأقطار غنية، تسد مطامعهم، وتشبع نهمة التائقين إلى المجد والثروة والمطوحات، فأنست حوادث العالم الجديد ما في الشرق من عجائب إلخ.