وأبقى الصليبيون في الشام، أي في الساحل والأرض المقدسة منه، بعض الحصون والكنائس من الآثار، ولما ضربوا الضربة الأخيرة بيد الملك خليل (690ه) سكن بعض الإفرنج في جبل لبنان، وآب قسم آخر إلى بلاده على مراكبهم، وعادت الحروب الصليبية على الغرب بخيرات لا تستقصى، ولو لم يكن منها غير تحطيم قيود التعصب الكنسي لكفى؛ وذلك لما رأى الصليبيون من تسامح المسلمين، وتساهل مشاهير أمرائهم كنور الدين وصلاح الدين، فانتشرت التجارة بعد الحروب الصليبية، أكثر من انتشارها أيام المملكة الرومانية، وأخذت أوروبا عن العرب عادات الفضيلة والمدنية، وكل ما يهون الحياة ويحليها للأنفس. قال سنيويوس بعد إيراد هذا: بدأت الصلات بين الغربيين والشرق بحرب بين المؤمنين، وانتهت بمسائل قامت بين المتجرين، وتحضر الغربيون باحتكاكهم بالشرقيين، وأثر هذا الاختلاط في أفكار النصارى الدينية، فتحمسوا أولا للنزال والطعان، ولما شاهدوا المسلمين عن أمم، ورأوا فيهم رجالا أشداء منورين كرماء أمثال صلاح الدين - الذي أخلى سبيل أسرى النصارى بدون فدية، وبعث بطبيبه إلى أحد زعماء الصليبيين ليداويه من مرضه - بدءوا باحترام المسلمين.
رأي لبون في مضار الحروب الصليبية ومنافعها
وأفاض لبون في نتائج العراك الذي حدث بين الغرب والشرق في الحروب الصليبية، فقال: إنها كانت عقيمة من حيث غايتها الأولى، وهي الاستيلاء على فلسطين، فإن الصليبيين على ما أهرقوا من الدماء، وبذلوا من الأموال، رجعوا بعد قرنين، بخفي حنين. أما من حيث النتائج غير المباشرة في هذه الحروب، فيمكن أن يقال: إن منافعها عظيمة؛ وذلك أنه كان الاختلاط بالشرق مائتي سنة من العوامل القوية في انتشار المدنية في أوروبا، وحدث أن الغاية من الحروب الصليبية جاءت على غير ما أريد منها، ولهذا التناقض بين الغاية المتوخاة، والغاية التي وصلوا إليها ما يماثله في التاريخ؛ وليتمثل لذهنه من شاء أن يقدر التأثير المشترك من احتكاك الشرق بالغرب حالة تمدن كل الشعوب التي اختلطت بالأمم الأخرى، ونحن نعرف أن الشرق بفضل العرب كان ينعم إذ ذاك بمدنية زاهرة، على حين كان الغرب غارقا في التوحش، وقد استدللنا من مجموع أعمال الصليبيين أنهم كانوا في كل مكان متوحشين حقيقة ينهبون ويذبحون، لا فرق عندهم بين عدوهم وصديقهم؛ خربوا القسطنطينية أثمن كنوز العاديات اليونانية واللاتينية، ولم يربح الشرق باحتكاكه بهؤلاء البرابرة من الصليبيين، بل خسر ونتجت له كراهة الغربيين كراهية دامت قرونا، وهذا من النتائج المضرة.
أساء الشرقيون الظن بالشعوب النصرانية في أوروبا، وتظننوا الظنون بدينهم، لما رأوا من جهل الصليبيين وخشونتهم وقسوتهم الحمقاء، وقلة دينهم، فانفرجت مسافة الخلف بين الشرق والغرب، بحيث يتعذر تلافي ما فرط، وكان من ذلك زيادة نفوذ الباباوات وفساد رجال الكهنوت، فأنتج ذلك الدعوة إلى الإصلاح الديني، وما أعقب ذلك من المجالدات الدامية، ومن أشأم نتائج تلك الحروب، أن تأصل التعصب وعدم التسامح في العالم عدة قرون، وبدأ الدين في مظهر من القسوة والوحشية، لم يكن لنحلة عهد بها ما خلا اليهودية، وبلغ التعصب بعد تلك الحروب درجة الجنون، وما زالت آثاره متجلية إلى اليوم؛ فقد اعتاد رجال الدين أن يهرقوا الدماء، فأنشأوا يطبقون على قومهم طرق الإبادة التي طبقوها على أعدائهم من قبل، بدعوى نشر الإيمان وإبادة الإلحاد، وكل من بدرت منه بادرة خفيفة من الخلاف، كان حريا أن يلقى أشد العذاب، وما مذابح اليهود والإلبيجاويين وطبقات كثيرة من الملحدين، وما ديوان التحقيق الديني والحروب الدينية، وجميع المعارك الوحشية التي سالت فيها الدماء في أوروبا زمنا طويلا، إلا نتائج مشئومة نشأت عن التعصب الذي أوقد الصليبيون ناره. ا.ه.