تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما بلاد البرتقال، أو القسم المعروف بالأندلس أيضا من ديار البرتقال؛ فقد استولى عليها العرب عدة سنين وتخلوا عنها ثم عادوا إليها، ولما جلا العرب من لشبونة قبل جلائهم عن غرناطة بزمان طويل عاملهم البرتقاليون بمعاونة

20

قرصان من الفرنسيس والإنجليز والنورميين والألمان والبلجيكيين معاملة قاسية: قتلوا الأطفال والرجال، وسبوا الأعراض ودنسوا كل شيء وأحرقوا أقوات المدينة، فهلك نيف وعشرون ألف نسمة. ذكر ذلك المؤرخ البرتقالي هركولانو مستشهدا بمؤرخي البرتقال، ولما أراد الإفرنج القضاء على دولة الموحدين بالأندلس (605ه) نادى البابا بالحرب المقدسة فخفت جيوش النصرانية من إيطاليا وفرنسا وألمانيا واتحدت قواتها بإسبانيا وتم للإسبان ما أرادوا.

أباد الإسبانيون في الأندلس كل أثر للعرب، فخربوا بيوتهم بأيديهم، ومن أهم ما قضوا عليه كتب العرب؛ فقد أمر

21

الكردينال كسيمنس - أعدى عدو للإسلام والمدنية - في سنة 1511 بعد أن أحرق في ساحات غرناطة كمية من كتب العرب، ولا سيما المصاحف المخطوطة، أن تباد كتب العرب من بلاد إسبانيا عامة، فتم ذلك بغيرة عمياء مدة نصف قرن، ولولا تلك المترجمات إلى العربية واللاتينية لقضي على الحضارة العربية بجملتها، وكاد ديوان التحقيق الديني الذي أخذ على نفسه إبادة كل أثر للعرب أن يجعل طعاما للنار تلك المخطوطات العربية التي حفظت في خزائن كتب الأسكوريال، لولا أن تلطف المركيز فيلادا وحال دون إحراقها.

قام العرب بصنيعهم من تمدين إسبانيا قرونا طويلة، ونقلوا المدنية إلى الممالك الأخرى ، فكان جزاؤهم يوم ضعفت سياستهم، أن يقتلوا شر قتلة، وتباد آثارهم أي إبادة، ولم يستفد قطر من أقطار الغرب ما استفادته إسبانيا من العرب، ولما جلوا عنها نعق فيها غراب الدمار وفقدت صنائعها وزراعاتها وعلومها، وأصبحت إسبانيا بعد مدة من خروج العرب أحط بلاد الغرب. قال ستانلي لانبول: «إن فضل مسلمي الأندلس يتجلى في همجية الإسبان وتراجعهم في مراقي النجاح، بعد أن خلت أرضهم من الإسلام.» وقال لبون: «ظن الكاردينال كسيمنس لما أحرق في غرناطة كل ما طالت يده إليه من مخطوطات العرب وكانت ثمانين ألفا - عدا ما أحرق في المدن الأخرى - أنه يحذف إلى الأبد من كتاب التاريخ ذكرى أعداء دينه، ولكن الأعمال التي قامت على أيديهم في تلك الأرض تكفي لتخليد ذكرهم على الدهر، وإن نفدت آثارهم المكتوبة.»

| مدنية العرب في جزيرة صقلية

العرب في حوض البحر المتوسط وغزو صقلية

قلنا: إن البحر المتوسط غدا لغزوات العرب بحرا عربيا منذ أوائل الفتح كبحر فارس وبحر الظلمات والمحيط الهندي، وغلب المسلمون كما قال ابن خلدون على هذا البحر (يعني بحر الروم أو البحر المتوسط) من جميع جوانبه: «وعظمت صولتهم وسلطانهم فيه، فلم يكن للأمم النصرانية قبل بأساطيلهم بشيء من جوانبه، وامتطوا ظهره للفتح سائر أيامهم، فكانت لهم المقامات المعلومات من الفتح والغنائم، وملكوا سائر الجزائر المنقطعة عن السواحل فيه مثل ميورقة ومنورقة ويابسة وسردانية وصقلية وقوصرة ومالطة وإقريطش وقبرص وسائر ممالك الروم والإفرنج.» قال: «والمسلمون خلال ذلك كله قد تغلبوا على الأكثر من لجة هذا البحر، وسارت أساطيلهم فيه جائية ذاهبة، والعساكر الإسلامية تجيز البحر في أساطيلهم من صقلية إلى البر الكبير المقابل لها من العدوة الشمالية، فتوقع بملوك الإفرنج وتثخن في ممالكهم، كما وقع في أيام بني أبي الحسين ملوك صقلية القائمين بدعوة العبيديين، وانحازت أمم النصرانية بأساطيلهم إلى الجانب الشمالي الشرقي من سواحل الإفرنجة والصقالبة وجزائر الرومانية لا يعدونها، وأساطيل المسلمين قد ضريت عليهم ضراء الأسد بفريسته، وقد ملأت الأكثر من بسيط هذا البحر عدة وعددا، واختلفت في طرقه سلما وحربا، فلم تسبح فيه للنصرانية ألواح.»

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ١٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ١٠٧