ولما انتهى الطرد والمذابح عمت الأفراح البلاد، وظهر أن إسبانيا ستدخل في طور جديد، وكان هذا التطور الجديد، فنشأت نتائج عظيمة من هذه الإبادة العامة التي لم يقع لها مثيل في التاريخ، ترك فرديناند للعرب حريتهم الدينية وحرية لغتهم في المعاهدة التي عقدها معهم، ومنذ سنة 1499 بدأ عهد الاضطهادات، فأخذوا يعمدون أبناء العرب بالقوة، مدعين أن العرب كانوا نصارى، وسيقوا إلى ديوان التحقيق الديني فأحرق منهم من استطاع أن يحرقه، وسار هذا العمل ببطء للصعوبة في إحراق عدة ملايين من الأنفس، فاقترح الكردينال رئيس الأساقفة لتطهير أرض إسبانيا من العنصر العربي - وكان هذا الكردينال الحاكم المتحكم في ديوان التحقيق في المملكة ومن كبار أهل الصلاح والتقوى - أن يقتل بالسيف جميع العرب الذين لم يدينوا بالنصرانية وفي جملتهم النساء والأطفال، وكان الدومنيكي «بليدا» أشد قسوة، فقضى أن يقتل العرب بدون استثناء؛ لأنه رأى أنه لا يتأتى أن يعلم إذا كان جميع المهتدين هم نصارى في قلوبهم، ولاحظ، وهو على حق فيما لاحظ، أنه من السهل على المولى أن يميز في الدار الآخرة بين من يستحقون عذابه ومن لا يستحقونه. يقول فولتير: لما فتحت العرب إسبانيا لم يرغموا قط النصارى الوطنيين على انتحال الإسلام، ولما استولى الإسبان على غرناطة أراد الكردينال كسيمنس أن ينصر كل العرب، دفعته إلى ذلك غيرة دينية، أو طموح إلى إنشاء شعب جديد يخضع لصولته، وأرغم خمسين ألف عربي على أن يحملوا رمز دين لا يؤمنون به.
يقول بليدا الدومنيكي: إنه قتل ثلاثة أرباع من جلوا من العرب في طريقهم إلى دار هجرتهم، قتل مائة ألف من حملة واحدة كانت مؤلفة من 140 ألفا وذلك في الطريق إلى إفريقية، وفقدت إسبانيا في بضعة أشهر مليونا من رعاياها. ويقول سيديليو ومعظم المؤرخين: إن عدد من فقدتهم إسبانيا بلغ ثلاثة ملايين، وذلك من فتوح فرديناند إلى طرد العرب الطرد الأخير، وذكر فاريتي
18
وهو من أعظم مؤرخي إسبانيا أنه نفي من إسبانيا في مختلف العصور مليونان من اليهود، وثلاثة ملايين من العرب والعرب المتنصرين «الموريسك»، وبلغ من هلك من المتنصرة أو استرق منهم أثناء هذه الفاجعة زهاء مائة ألف. قال لبون: إذا قيست مذبحة سان بارتلمي بمثل هذه المجازر عدت مناوشة لا شأن لها، ولم يحدث من أشد الفاتحين توحشا وأقساهم قلبا، حادث مثل هذا نسب إليه ما نسب لهذه المذابح الثلاث، ومن سوء حظ إسبانيا أن هذه الثلاثة ملايين من الرعايا التي حرمتهم إسبانيا باختيارها كانوا يؤلفون الطبقة العالية في العلم والصنائع.
ومع أنه كان في معاهدة تسليم غرناطة
19
شروط كثيرة لحماية أنفس المسلمين وأموالهم وإطلاق الحرية الدينية لهم ليقوموا بشعائر دينهم على ما يحبون لم تنفذ هذه الشروط زمنا طويلا، وبدأ التنصير في غرناطة بتحريض الكردينال سيزمروس ورئيس الأساقفة فيها منذ سنة 1499، وأخذ هذا الكردينال يدعو المسلمين إلى انتحال النصرانية بالمواعظ والخطب، ثم حاول أن يرفع ما أمكن الكتب العربية في مختلف فروع العلوم الإسلامية فأمر بإحراقها فثار المسلمون في البيازين والبشرات والمرية وباجة وقادس ورندة، ورأت إسبانيا في سنة 1501 أن تخير المسلمين بين الهجرة أو التنصر، والظاهر أن هذا الأمر لم يطبق بحذافيره وظل المسلمون في الجبال في حالة أشبه بنصف استقلال أكثر من نصف قرن، ثم نصر جميع المسلمين في قشتالة وترك مسلمو أرجون ثم تنصر كثير من المسلمين في شنت مارية الشرق على الوادي الكبير في السنين الأولى من القرن السادس عشر. وفي سنة 1566 صدرت أوامر مجريط تحظر على من بقي من المسلمين في إسبانيا استعمال اللغة العربية وكان ضعف أمرها حتى بين المسلمين، وأمروا بأن يتركوا شعائرهم وينزعوا لباسهم ويبدلوا طراز معيشتهم، فثار المسلمون في غرناطة والبشرات ودامت الحرب سنين حتى صدر الأمر الأخير بطرد العرب سنة 1604، فرحل في سنتين عن إسبانيا نحو نصف مليون مسلم وطويت صحيفة الإسلام في شبه جزيرة الأندلس.