تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجميع ما غزا الرسول بنفسه سبع وعشرون غزوة، وكانت بعوثه وسراياه ثمانيا وثلاثين بين بعث وسرية، وكان يوري بغزواته، وقل أن يعين لأصحابه الوجهة التي يقصدها في غزاته، وكتب مرة لأحدهم كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا وكذا، ولا يستكره من أصحابه أحدا أي يندبهم للعمل قسرا، وذلك ليترصد بذلك قريشا ويعلم له من أخبارهم.

ولم يكن للمسلمين سلاح جاهز، وسلاحهم: القوس والنبل والحربة والسيف والدرع، ثم اتخذ أنواع السلاح التي كانت موجودة إذ ذاك عند الأمم. واستعار الرسول يوم هوازن

50

مئة درع بما يكفيها من السلاح من صفوان بن أمية ليلقى بها العدو على أن تكون عارية مضمونة حتى يؤديها إليه، ورأى الرسول أن اتساع الفتوح يقضي بأن يتعلم بعض أصحابه صنعة الدبابات والمجانيق والضبور؛

51

أي صنائع القتال، فأرسل إلى جرش اليمن اثنين من أصحابه يتعلمانها. وكان أهل الطائف أول من رمي بالمنجنيق، وأخذ المسلمون بعيد ذلك يعدون لأعدائهم ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل؛ لأنهم قادمون على فتح الشام والعراق على ما بشرهم به الرسول، فقال لعدي بن حاتم: «لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذ، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عددهم وقلة عددهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم.» وقال مرة: «أبشروا وأملوا ما يسركم؛ فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوا فيها فتهلككم كما أهلكتهم.»

رأينا الرسول في طور ضعفه، ثم في طور قوته، يحرص على رجاله حرصه على أعز شيء لديه، ولما دخل عمر في الإسلام اعتز به، وترك به المسلمون التقية في دينهم، بل إنه كان إذا سقط في يده أحد أذكياء المشركين أبقى عليه، مهما كان من إيذائه للمسلمين أو له خاصة؛ عل في حياته ما يستفيد منه الإسلام إذا أسلم. أما من قتلوا النفس التي حرم الله فهؤلاء لا تأخذه بهم رحمة؛ قدم عليه نفر

52

من العرب قد ماتوا هزالا فأسلموا واجتووا المدينة، فأمرهم الرسول أن يأتوا إبل الصدقة يشربوا من ألبانها، ففعلوا وصحوا وسمنوا، فارتدوا وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فبعث في آثارهم فما ترجل

53

النهار حتى جيء بهم، وأوقع عليهم أشد العقوبة الشرعية.

وكان يحسن معاملة النساء عامة كما يحسن معاملة أزواجه خاصة، فيؤثرن أي تأثير في الرجال، ويجعل منهن أدوات صالحة له يبث بواسطتهن دعوته، ويرعى مصالح المسلمين، وقد أوصى بهن أجمل وصاة في خطبته يوم حجة الوداع. وهذا غاية في حسن الإدارة والسياسة؛ لأن حل المسائل بدون مشاكل أنفع من حلها بطرق جافة. والنساء في هذا المعنى من أفعل أسباب الدعوة، وخصوصا إذا كن كالصحابيات يأخذن بمجامع القلوب بجميل عاطفتهن وجمال بلاغتهن. وكان يسمح باستخدام النساء في حروبه وغزواته؛ يخدمن الجرحى، ويأخذن من العطاء، ويتولين من الرجال ما يصلحن له كالطعام والإسقاء، ويحمسن من يحتاج إلى تحميس. وجعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة يقال لها رفيدة في مسجده كانت تداوي الجرحى وتحبس نفسها على خدمة من كان فيه ضيقة من المسلمين. وكذلك كانت أخت رفيدة واسمها كعبة بنت سعيد الأسلمية. ومنهن من كن يخطن القرب؛ فالنساء في حكومته ممرضات طاهيات ساقيات خياطات محمسات داعيات. وأمر الرسول أن لا يقتل النساء في الحرب. فكان بذلك يستفيد من كل قوة في بلده يستعين بها على الظهور على المشركين.

ومن خطبه الإدارية ما ورد في الثقات أنه قعد على بعير له وأخذ إنسان بخطامه أو بزمامه فقال: «أي يوم هذا؟» قال من حضر: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: «أليس يوم النحر؟» قلنا: بلى. قال: «فأي شهر هذا؟» قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: «أليس بذي الحجة؟» قالوا: بلى. قال: «فأي بلد هذا؟» قال: فأمسكنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: «أليس بالبلد الحرام؟» قلنا: بلى. قال: «فإن دماءكم وأعراضكم (وفي رواية: وأموالكم) بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا ليبلغ الشاهد الغائب.»

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٨