هذا جملة ما يقال في تدبير الرسول في الإدارة من بث دعوة وجهاد عدو، وأخذ غنائم وصدقات وجزى وعشور، وقسمتها بين المجاهدين وأهل البلاء من المهاجرين والأنصار، ثم على فقراء المسلمين، وما كان من توزيعه العمل بين عماله ومعاملته لهم وللوفود والنساء، إلى غير ذلك من أسباب القوة واتخاذ الجند والمحاربين، واشتداده في الحق ولينه إذا دعت الحال إلى اللين، وإغضائه أحيانا لما يلحق به من الأذى، يرتقب الفرص لمن يكيد للمسلمين.
ومما يصح التمثل به في باب اللين: أنه رضي يوم الحديبية أن يدخل وأصحابه مكة ثلاثة أيام فقط على أن يكونوا بجلبان
54
السلاح، وصالح سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي فدعا علي بن أبي طالب. فقال: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.» فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم. فقال رسول الله: «اكتب باسمك اللهم.» فكتبها، ثم قال: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو.» فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال
55
وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ...» إلخ. فاستاء المسلمون من هذا العهد بعد أن فازوا على أعدائهم؛ وأحب الرسول حقن الدماء فقبل من خصمه هذا العنت، وكانت العاقبة له ولقومه.
| هوامش
| إدارة الخلفاء الراشدين
سار أبو بكر بسيرة الرسول في الإدارة الإسلامية، واحتفظ بالعمال الذين استعملهم صاحب الشريعة، والأمراء الذين أمرهم، ومن العمال من أبى أن يعمل لغير رسول الله فاعتزل العمل، ولما وسدت الخلافة إلى الصديق قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك المال. وقال عمر: وأنا أكفيك القضاء. فمكث عمر سنة لا يأتيه رجلان، ولم يخاصم إليه أحد؛ وذلك لأن الناس كانوا أول ظهور الإسلام يرون من الطبيعي أن يعطي الإنسان الحق ويأخذ الحق، ويقف عند حدود الله لا يقارف منكرا ولا يسرف على نفسه، ويبعد عن الزور وأكل أموال الناس بالباطل، ويجعل رائده الصدق في أقواله وأفعاله.
كان إذا نزل بالصديق أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي وأهل الفقه، ودعا رجالا من المهاجرين والأنصار، دعا عمر وعثمان وعليا وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وكل هؤلاء كان يفتي في خلافة أبي بكر، وإنما تصير فتوى الناس إلى هؤلاء. على أن أبا بكر كان جد عالم بالشريعة وأخبار الناس وأيامهم وأنسابهم وسياساتهم، إلى ما رزق من صدر رحب يطلب من كل صاحب إدارة، واختار من القضاة ما اختاره الولاة غالبا، وكان ولاة المدينة
1
هم الذين يختارون القضاة ويولونهم، ويكتب لأبي بكر علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت، ويكتب له الأخبار عثمان بن عفان
2
ويكتب له من حضر
3
ومن عماله: عتاب بن أسيد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن أبي العاص، والمهاجر بن أبي أمية، وزياد بن عبيد الله الأنصاري، ويعلى بن منية، وأبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، والعلاء بن الحضرمي، وجرير بن عبد الله، وعبد الله بن ثور، وعياض بن غنم، وأبو عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وخالد بن الوليد.
ما تجاوزت رقعة الملك الإسلامي في أيام أبي بكر أكثر من جزيرة العرب؛ قسمت إلى ولايات أو عمالات، وهي مكة والمدينة والطائف وصنعاء وحضرموت وخولان وزبيد ورمع والجند ونجران وجرش والبحرين، أما القواد الآخذون بفتح الشام والعراق فيولون عمالا من عندهم في الأرض التي يفتحونها. بمعنى أن الحجاز قسم إلى ثلاث ولايات، واليمن إلى ثمان، والبحرين وما إليها ولاية.