ولم يكن للرسول بيت مال، وكان يخبأ الأموال في بيته وبيوت أصحابه، وفي الغالب أن الفيء يقسم من يومه، خصوصا إذا كان من الناطق كالإبل والشياه والخيل والبغال. والرسول يعطي الآهل
40
من الفيء حظين والعزب حظا.
41
وما كانت تأخذه بالمشركين هوادة لا سيما بعد أن فتحت مكة، وأطاعت الحجاز واليمن واليمامة وغيرها من أصقاع الجزيرة، وما كان هوى من رسخ الإسلام في قلوبهم في شيء من حطام الدنيا، فقد بلغ من تبادل الثقة
42
والحب بين المسلمين في صدر الإسلام أنهم كانوا خلطاء بالمال، يأخذ فقيرهم من مال الآخر؛ مصداقا لقوله تعالى:
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، ولقد أهديت لعبادة بن الصامت
43
هدية وإن معه في الدار اثني عشر من أهل بيته، فقال عبادة: اذهبوا بهذه إلى آل فلان فهو أحوج إليها منا. قال الوليد بن عبادة: فأخذتها فكنت كلما جئت أهل بيت يقولون اذهبوا بها إلى آل فلان فهم أحوج منا إليها. حتى رجعت الهدية إلى عبادة قبل الصبح، وأسلف عبد الله بن جعفر الزبير بن العوام ألف ألف درهم، فلما قتل الزبير قال ابنه عبد الله لعبد الله بن جعفر: إني وجدت في كتب أبي أن له عليك ألف ألف درهم، فقال: هو صادق فاقبضها إذا شئت. ثم لقيه فقال: يا أبا جعفر وهمت المال لك عليه فهو له. قال: لا أريد ذاك. قال: فاختر إن شئت فهو له وإن كرهت ذلك فله فيه نظيره ما شئت، وإن لم ترد ذلك فبعني من ماله ما شئت.
مثال آخر من هذا الإيثار: كان بالمدينة في زمن النبي شاب يقال له مالك بن ثعلبة الأنصاري ولم يكن بالمدينة شاب أغنى منه، فمر بالنبي والنبي يتلو هذه الآية:
والذين يكنزون
إلى قوله:
فذوقوا ما كنتم تكنزون
فغشي على الشاب، فلما أفاق دخل على النبي فقال: بأبي أنت وأمي، هذه الآية لمن كنز الذهب والفضة؟ فقال له النبي: «نعم يا مالك.» قال: والذي بعثك بالحق ليمسين مالك ولا يملك دينارا ولا درهما. قال: فتصدق بماله كله.
وما كان أصحاب رسول الله بالمنخرقين
44
ولا المتماوتين،
45
يتناشدون الأشعار، ويجلسون في مجالسهم، ويذكرون جاهليتهم، فإن أريد إنسان منهم على شيء من أمر دينه دارت عيناه فترى حماليقها
46
غضبا؛ بل كان منهم من إذا ارتكب كبيرة يعاقب عليها الإسلام يأتي الرسول بطلب إقامة الحد الشرعي عليه، أو يسمع منه ما ينقلب به إلى أهله مسرورا، يأخذ حكمة تثلج بها نفسه، ويعتقد أنه تحلل من ذنبه واستغفر له الرسول.
وأراد النبي مرة إحصاء المسلمين فقال: اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس، فكتبوا له ألفا وخمسمائة رجل، وما كان يجمع المسلمين في أول أمرهم كتاب حافظ أي ديوان مكتوب،
47
وكان إذا نودي للزحف وتخلف عنه أحدهم لعذر أو شبه عذر، يلومه الرسول وأصحابه، وإذا تبين أنه تعمد أن يكون مع المتخلفين عن القتال يعاتب ويقاطعه الجماعة ويجتنبونه لا يكلمه أحد. ولما أمر الرسول بالتهيؤ لغزو الروم في تبوك، تثاقل المسلمون عنها وأعظموا غزوهم، فنافق من نافق من المنافقين، حين دعوا إلى ما دعوا إليه من الجهاد، وكان «ذلك في زمن عسرة
48
من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم فيه.» وجاء المتخلفون عن هذه الغزاة وكانوا ثمانين رجلا فقبل الرسول منهم علانيتهم وأيمانهم، واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، وفي هذه الغزوة حض الرسول أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وكان من أفضل القربات أن يجهز أرباب اليسار أناسا للغزو يتكفلون بطعامهم وإطعام ذويهم، ويعطونهم السلاح والكراع واللباس ليغزوا ويرابطوا،
49
وكان المسلمون كلهم جندا يقاتلون للدين، وكان لا يزال فيهم أبدا من يبذل شطرا صالحا من ماله في وجوه البر والقرب لا يريدون على إسلامهم ونصرهم للرسول جزاء.