تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلي بن عيسى هذا أكبر وزراء ذاك العهد، ومن الأسر العريقة في خدمة الدولة منذ أيام المعتضد

96

كان من الثقة والصيانة والصناعة على جانب، عامل المصادرين من الوزراء والعمال بالرفق، وكتب إلى كل واحد من العمال بما جرت العادة به من تشريف أمير المؤمنين إياه بالخلع، ورد أمر الدواوين والمملكة إليه، وأقرهم على مواضعهم، وأمرهم بالجد والاجتهاد في العمارة، وكتب إليهم بإنصاف الرعية والعدل عليها، ورفع صغير المؤن وكبيرها عنها. كما كان يطالب بتوفير حقوق السلطان وتصحيحها وصيانة الأموال وحياطتها. ونظر إلى من تعود اقتطاع الأموال السلطانية وإقامة مروات نفسه فيها، وقصر في العمارة واعتمد غيره. وعمر الثغور والبيمارستانات وأدار الأرزاق لمن ينظر فيها، وأزاح علل المرضى والقوام، وعمر المساجد الجامعة، وكتب إلى جميع البلدان بذلك، ووقع إلى العمال وكتب إليهم في أمر المظالم، وأمر بأن يستوفى الخراج بغير محاباة للأقوياء، ولا حيف على الضعفاء، وساس الناس أحسن سياسة، ورسم للعمال الرسوم الجميلة، وأنصف الرعية وأزال السنن الجائرة، ودبر أمر الوزارة والدواوين وسائر أمور المملكة بكفاية تامة وعفاف وتصون، حتى أسقط الزيادات في إقطاعات الجند والعمال وغيرهم، لما رأى نفقات السلطان زائدة على دخله زيادة مفرطة تحوج إلى هدم بيوت الأموال وصرفها في نفقات يستغني عنها.

وكان يجري على خمسة وأربعين ألف إنسان جرايات تكفيهم وخدم السلطان سبعين سنة لم يزل فيها نعمة عن أحد. قال الصولي: ولا أعلم أنه وزر لبني العباس وزير يشبه في زهده وعفته؛ بلغه أن أسارى المسلمين في الروم ساءت حالهم وأن الروم يحاولون تنصيرهم فغمه ذلك. ولما كان يعرف أن الخليفة لا يريد قتال الروم عمد إلى طرق سلمية فندب بطريق أنطاكية وجاثليق القدس أن يكتبا إلى الروم كتابا يقبحان هذه المعاملة ويتوعدان، فاضطرت دولة الروم أن تحسن معاملة المسلمين. وما عابوا على علي بن عيسى الوزير إلا أنه كان ينظر كثيرا في جزئيات الأمور فربما شغلته عن الكليات.

97

منع علي بن عيسى من إكراه التناء والمزارعين «على

98

تضمين غلات بيادرهم بالحزر والتقدير، وإلزامهم حق الأعشار في ضياعهم على التربيع، واستخراج الخراج منهم على أوفر عبرة، قبل إدراك غلاتهم وثمارهم، وإكراه وجوههم على ابتياع الغلات السلطانية بأسعار مسرفة مجحفة.» ولما غلب السجزية على فارس جلا قوم من أرباب الخراج عنها لسوء المعاملة ففض خراجهم على الباقين، وكمل بذلك قانون فارس القيم، ولم تزل هذه التكملة تستوفي على زيادة تارة ونقصان. وجاءه قوم من أجلاء فارس وقالوا: نمنع غلاتنا وتعتاق في الكناديج

99

حتى تهلك وتصير هكذا «وطرحوا من أكمامهم حنطة محرقة.» ونطالب بتكملة ما وجب علينا فتدعونا الضرورة إلى بيع نفوسنا وشعور نسائنا وأدائها حتى تطلق الغلة وهي على هذه الصورة «ثم رموا من أكمامهم تينا يابسا وخوخا مقدودا ولوزا وفستقا وبندقا وغبيراء وعنابا.» وقالوا: وهذا كله خراج لقوم آخرين والبلد فتح عنوة، فإما تساوينا في العدل أو الجور. فأنهى علي بن عيسى ذلك إلى المقتدر بالله، وجمع القضاة والفقهاء ومشايخ الكتاب والعمال وجلة القواد في دار الوزارة وقد جعلها ديوانا، وتناظر الفريقان من أرباب الشجر وأرباب التكملة فقال أرباب الشجر: هذه أملاك قد أنفقنا عليها أموالنا حتى أنبتت الغروس فيها، وحصل لنا بعض الاستغلال منها، ومتى ألزمت الخراج بطلت قيمتها. وقد كان المهدي أزال المطالبة ورسم الخراج عنها. وقال المطالبون بالتكملة ما شكوا به حالهم فيها واستمرار الظلم عليهم بها. ورجع إلى الفقهاء في ذلك فأفتوا بوجوب الخراج وبطلان التكملة.

هذا تمثيل للإدارة على ذاك العهد وصورة من أعمال الوزراء. وبأمثال علي بن عيسى وابن الفرات كانت القوة تدخل على ملك بني العباس إذا عراه الضعف ويجبرون نقص الخلفاء. وبمثل الوزير الخاقاني والوزير الخصيبي ترجع القهقرى. فإن كان علي بن عيسى بعيد النظر في أمور الدولة جد عارف بما يصلحها، عفا عن أموال الرعية ساهرا على مصلحتهم الحقيقية فإن ابن الفرات كان نافذا في عمل الخراج وتدبير البلاد وجباية المال وافتتاح الأطراف، وكلاهما من بلغاء الكتاب ومن العارفين بأدب الملك.

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٧٦