تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

90

ابنه خمارويه واسمها قطر الندى وقال: ما قصدت بهذا الزواج إلا إفقار ابن طولون؛ لأنه يضطر أن يجهزها بجهاز لم تجهز به عروس من قبل. وكان الأمر كما قال؛ فإنها جهزت بما استفرغ خزائن مصر والشام. وهذا هو الزواج السياسي المثمر، والترتيب الإداري الحكيم.

الإدارة على عهد المكتفي والمقتدر وكلام في الوزراء

اكتفى المكتفي بنهج منهج والده المعتضد في الإدارة، وكان وزيره العباس بن الحسن يقول لنوابه بالأعمال: أنا أوقع لكم وأنتم افعلوا ما فيه المصلحة. وقد يأخذ الوزير سبعة آلاف دينار في الشهر راتبا، ومن الوزراء من فادوا بخمسمائة ألف دينار ليصلوا إلى الوزارة. ومنهم من أعطوا المنجمين مائة ألف دينار ليحتالوا على الخليفة ويغيروا خاطره على أحد وزرائه، ثم يتوصلون إلى منصب الوزارة. وبهذا أدركنا أن الخلفاء انحطوا والوزراء كذلك.

بيد أن قواعد الدولة لم تتزلزل دفعة واحدة؛ لأن المعتضد ثبت قواعدها، ومن يجئ بعده مهما ارتكب من الأغلاط لا يقضي على عامة التراتيب الموضوعة للخلافة منذ سنين، فصح ما قيل من أن بني العباس

91

قوم منصورون تعتل دولتهم مرة، وتصح مرارا؛ لأن أصلها ثابت وبنيانها راسخ. وخلف المكتفي في بيوت الأموال من العين ثمانية آلاف ألف دينار، ومن الورق خمسة وعشرين ألف ألف دينار، وفي رواية أنه خلف مائة ألف ألف دينار عينا وعقارا وأواني بمثلها.

واستخلف المقتدر طفلا ووالدته وخالته وأم ولد المعتضد تدير الملك، حتى إن هذه السيدة جلست بالرصافة للمظالم تنظر في الكتب يوما في كل جمعة، فأنكر الناس ذلك واستبشعوه، وكثر عيبهم عليه والطعن فيه. ولم يكن في جلوسها أول يوم طائل، وفي اليوم الثاني أحضرت القاضي فحسن أمرها، وخرجت التوقيعات عن سداد، فانتفع بذلك المظلومون، وسكن الناس إلى ما كانوا نافرين من قعودها ونظرها. فالمقتدر في سنيه الأولى خصوصا كان يتدبر بآراء النساء والحاشية، والسيدة وقهرمانتها، ومن يجري مجراهن من نساء القصر، يتحكمن في كل أمر، ويتدخلن في العزل والنصب. وأمروا صاحب الشرطة ببغداد أن يجلس في كل ربع من الأرباع فقيها يسمع من الناس ظلاماتهم، ويعتني في مسائلهم حتى لا يجري على أحد ظلم. وأمروه أن لا يكلف الناس ثمن الكاغد الذي تكتب فيه القصص وأن يقوم به، وألا يأخذ الذين يشخصون مع الناس أكثر من دانقين في أجعالهم.

ورد المقتدر رسوم الخلافة

92

إلى ما كانت عليه من التوسع في الطعام والشراب وإجراء الوظائف. وكان في داره أحد عشر ألف خادم خصي من الروم والسودان. وزاد في أرزاق بني هاشم، وأعاد الرسوم في تفريق الأضاحي على الفقراء والعمال وأصحاب الدواوين والقضاة والجلساء، وأسرف في الأموال فمحق من الذهب ثمانين ألف ألف دينار

93

وفرق في خمس وعشرين سنة ما جمعه المنتصر والمهتدي والمعتمد والمعتضد والمكتفي. وحار الناس في أمر دولة المقتدر

94

وطول أيامها على وهي أصلها وضعف ابتنائها، ولم ير الناس ولم يسمعوا بمثل سيرته وأيامه وطول خلافته.

على أنه كان جيد العقل، صحيح الرأي، ولكنه كان مؤثرا للشهوات. قال التنوخي:

95

ولقد سمعت أبا الحسن علي بن عيسى الوزير يقول، وقد جرى ذكر المقتدر بحضرته في خلوة: ما هو إلا أن يترك هذا الرجل النبيذ خمسة أيام متتابعة حتى يصح ذهنه، فأخاطب منه رجلا ما خاطبت أفضل منه، ولا أبصر بالرأي وأعرف بالأمور وأسد في التدبير، ولو قلت: إنه إذا ترك النبيذ هذه المدة يكون في أصالة الرأي وصحة العقل كالمعتضد والمأمون ومن أشبههما من الخلفاء ما حسبت أن أقع بعيدا، وما يفسده غير متابعة الشراب ولا يخبله سواها. ا.ه.

قيل: إنه كان بين ابن زبر القاضي وبين علي بن عيسى الوزير عداوة، وعجز ابن زبر عن رضاه فألقى رقعة في ورق الظالم، وفيها أن رجلا من خراسان رأى في ثلاث ليال متوالية العباس بن عبد المطلب في وسط دار السلام يبني دارا، فكلما فرغ من موضع تقدم رجل لهدمه. فقال له: يا عم رسول الله، من هذا الذي بليت به؟ فقال: هذا علي بن عيسى، كلما بنيت لولدي بناء هدمه. فقرئت الرقعة على المقتدر فقال: إن هذه الرؤيا صحيحة يصرف علي بن عيسى ويقبض عليه. فما جاء آخر النهار حتى وافى ابن زبر ومعه عهده بقضاء مصر ودمشق. فإن صحت هذه القصة كان تصديق المقتدر حيلة القاضي من أغرب ما أثر من ضعف العقول.

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٧٥