تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان للدولة رسوم في تخريج رجال الإدارة ومما ذكروه أن باذرويا كان يتقلدها جلة العمال. قال ابن الفرات: سمعت أبا العباس أخي يقول من استقل بباذرويا استقل بديوان الخراج، ومن استقل بديوان الخراج استقل بالوزارة؛ وذلك لأن معاملتها مختلفة وقصبتها الحضرة، والمعاملة فيها مع الوزراء والأمراء والقواد والكتاب والأشراف ووجوه الناس، فإذا ضبط اختلاف المعاملات، واستوفى على هذه الطبقات صلح للأمور الكبار.

وبعد أن كان الخلفاء على استعداد تام لإدارة الملك أصبحوا يعتمدون على وزرائهم فإن كانوا علماء أخيارا جرت الأمور على سداد، وإن كانوا جهالا أشرارا زاد البلاء والشقاء، وطمع أصحاب الأطراف والنواب، وخرجوا عن الطاعة، وزالت عن الجند والرعية هيبة الخلفاء، وخلت من الأموال خزائنهم. والواقع إذا استثنينا عهد المعتضد لا نشاهد في خلفاء بني العباس بعد عهد المأمون من كان ذا عبقرية في الإدارة، وقد لا تنتظم الأحوال حتى بوجود الوزراء المحنكين؛ لأن للرأس تأثيره، والخليفة مرجع الأعمال وجميع السلطات فإن كان على اتزان تختفي العيوب في إدارة سلطنته المستبدة الطويلة العريضة، وإلا فالانحلال باد والملك في تزلزل. وهناك خليفة يدبره أخوه، وآخر تدبره أمه وجواريها، وغيره تدبره قهرمانته، وثالث يدبره وزيره. وقل في بني العباس أن جاء خليفة كالمأمون والمعتضد من يصدر عن رأي نضيج، ويعنى بملكه عناية حقيقية.

وكان الخلفاء في الجملة مشتغلين بأنفسهم ودفع أعدائهم عنهم، وكثير منهم من يقتل بأيدي الجند. وقل فيهم الرجل الرشيد بعد القاهر، وكانت الأمور تجري بقوة التسلسل، وبنو بويه ثم بنو سلجوق وغيرهم هم أصحاب الدولة بالفعل والخليفة لا عمل له في الحقيقة، بل هو أشبه بخيال يختفي وراءه صاحب السلطان إذا أراد أمرا لا يرضاه العامة إلا إذا صدر عن الخليفة.

نعم، صار الخليفة تابعا للملك أو المتغلب، ولم يبق شيء يقال له إدارة؛ لأن الخليفة لا يحكم حتى على بيته، فأصبحت الإدارة إدارة الملوك والأطراف وإدارة الفرس والترك، والشأن في السلطان شأنهم لا تكاد تسمع للخلفاء اسما. وكان من عادة أكثر خلفاء العباسيين أن يحبسوا أولادهم وأقاربهم. جرت بذلك سنتهم إلى آخر أيام المستنصر، فلما ولي المستعصم آخر خلفائهم ببغداد أطلق أولاده الثلاثة ولم يحبسهم، وكان من عادة حبس أولاد الخلفاء ضعفهم بل بلاهتهم إذا أسندت إليهم الخلافة، وربما انصرف أكثرهم في دور احتباسهم إلى اللهو والشراب فإذا جاءوها عجزوا عن إدارة الملك ؛ لأنهم عاجزون عن سياسة أنفسهم.

ولقد كان الرسم في عهد الخلفاء الأول من بني العباس أن يراقب الوالد ابنه والابن أباه والأخ أخاه على طريقة مستورة عن الأنظار، وتوسد إلى أبناء الخلفاء قيادة الجيوش وإدارة الولايات، ويشتركون في السلطان إلى حد معين، وتؤخذ آراؤهم في النوازل، ويدخلون في مجالس المشورة؛ فيكون لهم بذلك شيء من الوقوف ينفعهم يوم تولي الأمر، ويعرفون أنهم شركاء في هذا الملك لهم رأي يعتد به، ويجب عليهم الاهتمام لمصالحه.

وفي عصر الانحطاط حجب أبناء الخلفاء؛ فأصبح أكثرهم إلى الجهل والبلاهة يدرسون إدارة الملك في الكتب، وربما لا يرخص لهم أن يدرسوا في كل كتاب، ويسمعون من مربيهم وأساتيذهم ما يريدون أن يسمعوهم، ولكنهم لا يعلمون بالعمل شيئا كثيرا يصح أن يكون مادة لحياتهم وحياة الخلافة إذا أتت نوبتهم لتولي هذا المنصب الجليل.

| هوامش

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٧٧