تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واشتد المتوكل على أهل الذمة، وأخذهم بلبس ألبسة تخالف لباس المسلمين على رءوسهم وأوساطهم، وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة؛ تفريقا بين منازلهم ومنازل المسلمين. ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي تجري أحكامهم فيها على المسلمين. وأمر أن يقتصروا في مراكبهم على ركوب البغال والحمير دون الخيل والبراذين إلى غير ذلك، وأمر بإجلاء النصارى عن حمص؛ لأنهم كانوا يعينون الثوار من اليمانيين، والثورة لا تكاد تنطفئ كل حين من حمص حتى سميت الكوفة الصغرى؛ لكثرة قيام أهلها على العمال، كما خصت تونس بالتشغب والقيام على الأمراء والخلاف للولاة.

ومع كل ما بذل المتوكل قوي الأتراك عليه وقتلوه، قيل بالاتفاق مع ابنه الذي خلفه، وأخذ المتغلبة من الترك يستضعفون الخلفاء فأصبح «الخليفة في يدهم كالأسير؛ إن شاءوا أبقوه، وإن شاءوا خلعوه، وإن شاءوا قتلوه من غير ديانة ولا نظر للمسلمين.» وجاء المنتصر يقاوم العلويين كأبيه المتوكل ويكتب إلى عامل مصر (247) أن لا يقبل علويا ضيعة، ولا يركب فرسا، ولا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطرافها، وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد، وإن كانت بين العلوي وبين أحد خصومة قبل قول خصمه فيه ولم يطالب ببينة. ذلك لأن العلويين ما ناموا ساعة عن المطالبة بالملك، فمثل هذا الأمر يضيق عليهم دائرة حركتهم، وإن كان في بعض ما يرمي إليه غير عادل.

إدارة المعتز والمهتدي والمعتمد

تولى المعتز الخلافة فأمر بإحضار جماعة ممن صفت أذهانهم، ورقت طباعهم، ولطف ظنهم، وصحت نحائزهم، وجادت غرائزهم، وكملت عقولهم بالمشورة. وحاول أن يتخلص من الأتراك، وكانوا تأصلوا في جسم الدولة وروحها، وكانوا كثروا وأي كثرة في العاصمة والولايات، وقدرت أرزاقهم وأرزاق المغاربة والشاكرية في سنة 252 فكان مبلغ ما يحتاجون إليه في السنة مائتي ألف ألف دينار، وذلك خراج المملكة لسنتين فإذا تأخر عطاؤهم فهناك المؤامرات والمشاغبات وخوف البدوات والنزوات والوثوب بالدولة.

ووسدت إمارة مصر لأحمد بن طولون (254) من الأتراك، واستبد بجمع أعمال مصر لما وسد إليه أمر الأموال، وكان الأمير في مصر من قبل ليس له إلا الجند والشرطة وللعامل النظر في الأموال، وكلاهما يراقب صاحبه، وهما متساويان في المكانة، وربما تقدم العامل على الأمير. والأقباط منذ كان الإسلام يتولون النظر في الأموال؛ فتنظر إليهم الأمة نظرها إلى الصل والثعبان، ويراهم صاحب الأمر مختلسين. وكان مما أعان ابن طولون على استقلاله بملك مصر ثم استيلائه على الشام وما إليها أن الخليفة أمره بإعداد جيش لقتال أحد الخوارج في الشام. وبعد استئصال الفتنة لم يفض الجيش فكان له قوة نافعة في استقلاله. وكانت جمهرة الجيش من المماليك والديالمة يشتريهم كما يشتري الرقيق، وبلغت عدتهم أربعة وعشرين ألف مملوك وأربعين ألفا من العبيد الزنج ومن العرب وغيرهم. أما ابنه خمارويه فقيل: إن عدة جيشه بلغت أربعمائة ألف فارس.

ولئن حسنت حال مصر على عهد ابن طولون، ودر خراجها واستفاض عمرانها - لحسن إدارته وسياسته حتى فضلوه على بعض الخلفاء على كثرة ما سفك من الدماء - فإن استيلاءه على الأمر فيها عد خروجا على الخلافة، وإن كان يخطب لها بادئ بدء. ولم يتأت الخلاص من دولته إلا لما قوي العباسيون سنة 292 فقتلوا آل بيتهم برمتهم، وخلفت الدولة الطولونية الدولة الإخشيدية

80

وهي دولة أعجمية أيضا.

وتولى المهتدي «والدنيا كلها مفتونة» فحاول إعادة الخلافة إلى رونقها، وأمر بإخراج الفتيان والمغنين والمغنيات من سامرا ونفاهم إلى بغداد، وأمر بقتل السباع وطرد الكلاب وإبطال الملاهي ورد المظالم، وجلس ليرفعها فرفعت إليه قصص في الكسور فسأل عنها فقال وزيره سليمان بن وهب شيئا في تاريخ الخراج منذ عهد عمر إلى عهد المنصور، فأجاب المهتدي: معاذ الله أن ألزم الناس ظلما تقدم العمل به أو تأخر، أسقطوه عن الناس. فقال أحدهم: إن أسقط أمير المؤمنين هذا ذهب من أموال السلطان في السنة اثنا عشر ألف ألف درهم. فقال المهتدي: علي أن أقرر حقا وأزيل ظلما وإن أجحف ببيت المال.

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٧٢