وكان المهتدي آخر الخلفاء الذين كانوا يتولون بأنفسهم القضاء والمظالم، وربما كانوا يجعلون القضاء والمظالم لقضاتهم كما فعل عمر مع قاضيه أبي إدريس الخولاني، وكما فعل المأمون مع يحيى بن أكثم، والمعتصم مع أحمد بن أبي داود، وربما كانت تجعل قيادة الجيوش للقضاة، وكان يحيى بن أكثم يخرج أيام المأمون بالصائفة إلى أرض الروم، وكذا منذر بن سعيد قاضي عبد الرحمن الناصر من بني أمية بالأندلس. وكانت تولية هذه وظائف إنما تكون للخلفاء أو من يجعلون ذلك له من وزير مفوض أو سلطان متغلب.
ولما هم الجند بقتل المهتدي خطبهم فقال: أما دين أما حياءكم يكون هذا الخلاف على الخلفاء، والإقدام والجرأة على الله سواء عليكم من قصد الإبقاء عليكم، ومن كان إذا بلغه مثل هذا عنكم دعا بأرطال الشراب فشربها سرورا بمكروهكم، وحبا ببواركم. ثم ذكر لهم أنه لم يصل إليه من دنياهم شيء، وأنه ليس في منازل إخوته وولده فرش أو وصائف أو خدم أو جواري ولا لهم ضياع ولا غلات. وكان حقيقة مقلا من اللباس والفرش والمطعم، وأمر بإخراج آنية الذهب والفضة من الخزائن فكسرت، وضربت دنانير ودراهم، وعمد إلى الصور التي كانت في المجالس فمحيت.
81
وجيء بالمعتمد فقسم المملكة بين ابنه وأخيه الموفق فغلب أخوه عليه وشغل هو بلذاته، وكثر دخول الزعانف في القبض على الأعمال والفتن منتشرة؛ ومن أهمها: فتنة صاحب الزنج، والموفق يقود العساكر، ويرابط ويرتب الوزراء والأمراء. وقيل: إن المعتمد احتاج إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها فقال:
أليس من العجائب أن مثلي
يرى ما قل ممتنعا عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا
وما من ذاك شيء في يديه
وطالت أيام المعتمد، ولم يؤثر عنها إبداع جديد في الإدارة والسياسة. وكان ديوان الموفق مائة ألف مرتزق، وكانت الدولة السامانية التي قامت في هذه الأيام في الشرق، وتتمتع باستقلال داخلي واسع - كما يقولون اليوم - من أحسن الدول سيرة وملوكها من بني سامان أمنع ملوك الإسلام جانبا في عصرهم «لأنه
82
ليس في الإسلام جيش إلا وهم شذاذ القبائل والبلدان والأطراف، إذا تفرقوا في هزيمة وتمزقوا في حادثة، لم يلتق منهم جمع بعده، غير جيش هؤلاء الملوك؛ فإن جيوشهم الأتراك المملوكون، ومن الأحرار من يعرف داره ومكانه، إذا فشل منهم قوم أو ماتوا ففي وفور عددهم ما يعاد من بين ظهرانيهم مثلهم، وإن تفرقوا في حادثة تراجعوا كلهم إلى مكان واحد، فلا يقدح فيهم ما يقدح في سائر عساكر الأطراف، ولا سبيل لهم إلى التفرق في العساكر والتنقل في الممالك كما يكون عليه رسوم صعاليك العساكر وشحنة البلدان.»
وكانت طريقتهم في إقامة الأحكام ببلاد خراسان
83
أن تضرب المقارع بين أيدي أجلة الأمراء، ويشهد كل أحد في كل شيء، غير أن في كل بلد عدة من المزكين فإن طعن الخصم على الشاهد سئل عنه المزكي، ولا يتحنك فيه إلا فقيه أو رئيس. ويختارون أبدا ببخارى أفقه من بها وأعفهم، يرفعونه ويصدرون عن رأيه ويقضون حوائجه، ويولون الأعمال بقوله. وفي نيسابور رسوم حسنة؛ منها: مجلس المظالم في كل يوم أحد وأربعاء بحضرة صاحب الجيش أو وزيره، فكل من رفع قصة قدم إليه فأنصفه، وحوله القاضي والرئيس والعلماء والأشراف ومجلس الحكم كل اثنين وخميس بمسجد رجاء لا ترى في الإسلام مثله. وكانوا في فارس
84
يفضلون أهل البيوتات القديمة في أعمال الدواوين يتوارثونها فيما بينهم، وليس في دواوين الإسلام ديوان أصعب عملا وأكثر أنواعا من ديوان فارس لاختلاف ربوعها على المتقلدين لها.
هذا مثال من حالة الدولة السامانية التي نشأت في عهد المعتضد الطويل. وذكر المؤرخون أنه على قلة معرفته بسياسة الملك عمرت
85
مملكته، وكثرت الأموال وضبطت الثغور، وأنه كان قوي السياسة شديدا على أهل الفساد، وكان ولي والدنيا خراب والثغور مهملة، فقام قياما مرضيا فسكنت الفتن، وصلحت البلدان، وارتفعت الحروب، ورخصت الأسعار، وهدأ الهيج، وسالمه كل مخالف، ودانت له الأمور، وانفتح له الشرق والغرب، وأديل له من أكثر المخالفين، وكان سريع