تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان لولي العهد في هذه الممالك الصلاة والمعاون، أي الشحنة والشرطة، والقضاء والمظالم والخراج والضياع والغنيمة والصدقات وغير ذلك من حقوق أعمالها وما في عمل كل واحد منها من البريد والطراز وخزن بيوت الأموال ودور الضرب. يستخلفون على القطر الكبير حربا وخراجا، ويفوضون الأمور كلها للعامل يأذن إليه في الحل والعقد بغير استئمار ويخلعون عليه سوادا.

أي إن القطر الواحد بل المصر الواحد يحكم برأي عامله وجماعة ممن يختارهم لمشورته ومعاونته، فينظر في الأمور بحسب فهمه وما يوحيه إليه المحيط والعادة والعرف، ويطبق الأحكام الشرعية على الكبير والصغير والملي والذمي، وينصب العامل الأكبر في الولاية العمال من ذوي الرأي والتدبير والخبرة بالعلم والعلم بالسياسة، ويشاور الفقهاء وأرباب التجارب، وينفق من المال ما تصلح به الولاية وما يوسع به على القراء والفقراء وذوي الحاجات، وما تقتضيه من عطاء الجند وتقوية الثغور وشحن المصالح، ثم يبعث الباقي من الأموال إلى الخليفة. وللخليفة الخطبة والسكة، فإذا كان العامل يحسن عمله، ويعرف مدى التبعة الملقاة عليه، يستسيغ الخراج إن كان ذا قوة أو آنس من جانب الحضرة ضعفا، ولا يرجع في العادة إلى استشارة العاصمة إلا في عويص المسائل التي يمكن تأجيلها، وتكون من حقوق الخليفة داخلة في أمهات المسائل الكبرى في الدولة. وقد يجتهد ويرتكب غلطا فتصرفه العاصمة إن أحست به أو توجعه في العقوبة، كما فعل المنصور لما بلغه ضرب عامله على المدينة عالمها مالك بن أنس فشق ذلك على الخليفة وأهان عامله وصرفه. ولكن كانت كتف مالك قد زالت عن مكانها بالضرب المبرح. فالعامل في الحقيقة هو الملك الفعلي، ولا يسع العاصمة إلا أن تقره على ما يقرر ويدبر في أكثر الحالات. وقد ظهرت مضار هذه الطريقة عندما كانت العاصمة تعجز عن ضبط كل شيء من أمور الولايات لضعف الخلافة ووناء القائم على سدتها. وإذا كان هناك قضاة وولاة وناظرون ومفتشون وكتاب وحساب فإن التنفيذ يختلف قوة وضعفا بحسب كفاية العامل وسلطان الخليفة والوزير.

جاء المتوكل وضغط أمراء الترك وقوادهم يزيد شدة على الخلفاء فخلع على عبيد الله بن يحيى، وأمر أن لا يعرض أحد من أصحاب الدواوين على الخليفة شيئا، وأن يدفعوا أعمالهم إلى وزيره ليعرضها، وأجرى له في كل شهر عشرة آلاف درهم؛ لما كان في نفسه من الأتراك واستبدادهم بالأمر. فكان عهده جذب ودفع بين أصحاب الخلافة ومن رفعهم المعتصم على رقاب الناس من الترك، وعلق المتوكل يداوي الأمراض البادية في جسم الدولة بإنفاق المال الذي جمعه المأمون والمعتصم والواثق على نحو ما فعل الأمين؛ ففرق ما جمعه السفاح والمنصور والمهدي والرشيد من الأموال. فقال الناس: إن أيام المتوكل كانت في حسنها ونضارتها ورفاهية العيش بها ورخص أسعارها وحمد الخاص والعام لها، ورضاهم عنها أيام سراء لا ضراء. نعم، كان هذا الخليفة منفاقا لا يحسن تدبير خرجه، وله مع هذا عناية خاصة بديوان زمام النفقات. أنفق ما أنفق مما ادخره أجداده في بيوت أمواله، فكان هذا منه تدبيرا مؤقتا غير ناجح، وما استطاع أن يداوي ما تجلى من تسلط الأتراك على الدولة في عامة أقطارها وأعمالها.

رأى المتوكل شدة ضغط الترك على الخلافة في دار السلام فأحب الانتقال إلى دمشق؛ ليجعلها دار ملكه، ونقل دواوين الدولة إليها. ولما أمن غائلة من توجس منهم خيفة عاد إلى العراق، وادعى أنه استوبأ مدينة دمشق. وكانت له أفكار شاذة، منها: أنه كان يبغض علي بن أبي طالب وأهل بيته فعفى قبر الحسين بن علي، وهدم ما حوله من المنازل، ومنع الناس من إتيانه. ولا تأويل إلى هذا العبث إلا خوفه الشيعة، وأن يتخذوا من زيارة الحسين وسيلة إلى دعاية سياسية تزعزع أركان الملك العباسي.

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٧١