ثم أصبح بعض العظماء
74
ينفرون من الوزارة؛ لأن خاتمة حياتهم كانت التقتيل، ولأن مصير أموالهم وأموال ذويهم كان في الغالب إلى المصادرة والاغتصاب. ولقد عمت المصادرة سائر رجال الحكومة حتى الرعية، وأصبحت بتوالي الأيام المصدر الرئيسي لتحصيل المال؛ فالعامل يصادر الرعية، والوزير يصادر العمال، والخليفة يصادر الوزراء، ويصادر الناس على اختلاف طبقاتهم. حتى أنشئوا للمصادرة ديوانا خاصا مثل سائر دواوين الحكومة؛ فكان المال يتداول بالمصادرة كما يتداول بالمتاجرة. غضب المعتصم على وزيره الفضل بن مروان وأخذ منه عشرة آلاف ألف دينار ثم نفاه. ثروة ضخمة لو فكر الفضل أن يخلع طاعة الخليفة وينشئ بها ملكا له لما أعجزه ذلك. وغضب الواثق على كتاب الدواوين وسجنهم وأخذ منهم ألفي ألف دينار، وفيهم بعض الوزراء ومن كانوا في منزلتهم. وقل أن كان الوزير ينجو من نكبة إذا طالت أيامه، وأيقن الخليفة أنه اغتنى وعبث بأموال الدولة، أو حفزته الحاجة إلى المال فتفقده في خزائنه فلم يجده. ولم يعهد لوزير أن وزر وزارة واحدة بلا صرف لثلاثة خلفاء متسقين إلا محمد بن عبد الملك الزيات، وانتهى أمره بحرقه في التنور ومصادرة أمواله. وكان من العلم والأدب في الذروة العليا. وكان سلفه في وزارة المعتصم أحمد بن عامر الذي وصفه المعتصم ووصف نفسه بقوله: «خليفة أمي ووزير عامي.»
75
قال الوزير ابن الفرات: تأملت ما صار إلى السلطان من مالي فوجدته عشرة آلاف ألف الدينار، وحسبت ما أخذته من الحسين بن عبد الله الجوهري فكان مثل ذلك. فكأنه لم يخسر شيئا؛ لأنهم كانوا يقبضون بالمصادرة ويدفعون بالمصادرة، وإذا صودر أحدهم على مال لم يكن في وسعه أداؤه كله معجلا أجلوه بالباقي وساعدوه على تحصيله وجمعه. وتعددت أسباب المصادرة وجهاتها حتى أصبح كل صاحب مال أو منصب عرضة لها. وكانت وزارة ابن الفرات ثلاث سنين وثمانية أشهر واثني عشر يوما،
76
وولي الوزارة ثلاث مرات، وطولب بأمواله وذخائره فاجتمع منها مع ودائع كانت له سبعة آلاف ألف دينار، فيما حكي عن الصولي، وكان مشاهدا ومشرفا على أخبارهم. قال: وما سمعنا بوزير جلس في الوزارة، وهو يملك من العين والورق والضياع والأثاث ما يحيط بعشرة آلاف ألف غير ابن الفرات.
رد الواثق على بعض بني أمية أموالهم، وأكرم العلويين وأحسن إليهم، وما أحسن أحد إلى آل أبي طالب من خلفاء بني العباس ما أحسن إليهم الواثق. ما مات وفيهم فقير
77
وكان في حلمه وحسن خلقه يشبه عمه المأمون؛ يحب العدل ويعطف على أهل بيته ويتفقد رعيته. حشم
78
الأمراء عن الظلم، وكان يجلس لحساب الدواوين بنفسه، وترك جباية أعشار سفن البحر، وكان مالا عظيما. وقيل: إنه سد باب اللهو والغناء، أما هو فكان يسمع المغنيات ولا يتبذل ولا يسرف. واشتد على الناس كأبيه وعمه في مسألة خلق القرآن حتى قيل إنه أمر في سنة 231 - وهي سنة الفداء بين المسلمين والروم - أن يمتحن
79
أسارى المسلمين، فمن قال القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة فودي به وأعطي دينارا، ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم.
وعقد الواثق لبنيه الثلاثة، وقسم الدنيا بينهم، وكتب بذلك كتابا كما فعل جده الرشيد مع أولاده، فأعطى ابنه الأكبر المنتصر من عريش مصر إلى إفريقية المغرب كله إلى حيث بلغ سلطانه، وأضاف إليه جند قنسرين والعواصم والثغور الشامية والجزيرة وديار بكر وربيعة والموصل والفرات وهيت وعانة والخابور ودجلة والحرمين واليمن واليمامة وحضرموت والبحرين والسند وكرمان وكور الأهواز وماسبذان ومهرجان وشهرزور وقم وقاشان وقزوين والجبال. وأعطى ابنه المعتز خراسان وطبرستان وما وراء النهر والشرق كله. وأعطى ابنه المؤيد إرمينية وأذربيجان وجند دمشق والأردن وفلسطين.