أراد المعتصم أن يتشبه بأخيه المأمون فسار على أحكامه ونظامه، ومن أين له أن يشبهه بعلمه وحلمه! فقد ذكر واصفوه بأنه كان قليل البضاعة من الأدب، وإذا غضب لا يبالي من قتل ولا ما فعل. وقالوا: إنه كان يحب العمارة، ويقول إن فيها أمورا محمودة من عمران الأرض التي يحيا بها العالم، وعليها يزكو الخراج، وتكثر الأموال، وتعيش البهائم، وترخص الأسعار، ويكثر الكسب، ويتسع المعاش. ويقول لوزيره محمد بن عبد الملك: إذا وجدت موضعا متى أنفقت فيه عشرة دراهم جاءني بعد سنة أحد عشر درهما فلا تؤامرني فيه. وأعطى أهل الشاش ألفي ألف درهم لكرى نهر لهم اندفن في صدر الإسلام.
لم يبتدع المعتصم ولا ابنه الواثق شيئا جديدا في الإدارة لم يعرفه المأمون والرشيد، بل عاشا وعاشت الخلافة العباسية بعد ذلك بالأساس الذي وضعه المنصور للدولة، ولم يكن لها بعد منتصف القرن الثالث تلك الروعة التي كانت لها في عهد الخلفاء الأول. وقل بعد المأمون الخلفاء النادرون بذكائهم وتجاربهم، فأصيبت الخلافة بعد عظمائها بفتور، وأعمالهم بقلة الرواء والاتساق. ومن أهم الدواعي إلى هذا الانحطاط: فساد الإدارة واختلال أحوال القضاة، فنشأ ذلك من شراهة نفوس العمال والوزراء وإضاعة الحقوق. ومن يصادر أو يموت عن عشرات أو مئات الألوف من الدنانير من هذه الطبقة كيف يصح لك أن تحكم عليه بالبراءة من مال السحت والرشا والسرقات. مساوئ ما فشت في أمة إلا ضاع حق سلطانها وحق رعيته.
وكانت أهم عقوبة تقع على الظالم من العمال مصادرة الخليفة أو وزيره أو عامله الأكبر، وأصبح العمال في الدولة العباسية صورة عجيبة من استنزاف الأموال، وهم موقنون بأن مصيرهم بما جمعوه إلى المصادرة والقتل. وقل فيهم من كان يكتفي بما قرره له الخليفة أو العامل الأعظم من الجرايات والمشاهرات، وقد تكون على حد الكفاية وأكثر من الكفاية بالنسبة لتلك الأعصر، وما حدث فيها من وفرة الثروة وعوائد الترف والسرف. وللوزراء ومن يلونهم طرق إبليسية في السلب. والأرجح: أن أهم موارد الوزراء والولاة كان من نهب جباية الدولة أو بيت مالها، ومن الهدايا التي يضطرون صغار عمالهم إلى تقديمها في كل فرصة، ومن رشا يتناولونها ممن يحاولون أن يستخدموا في أعمال الدولة، إلى غير ذلك من وجوه انتهاب الأموال وإعنات الناس. وكانت هذه الطبقة من الوزراء والكبراء تصوم وتصلي وتتعبد وتتصدق وتغار على الإسلام والدولة، ثم تجوز الاحتيال لأخذ الأموال؛ لأن الأبهة تقضي التوسع في الإنفاق!
قال عامل مصر لأحد من زاره من وزراء العباسيين في الفسطاط، فرأى جسرا يحتسب العمال عنه على السلطان ستين ألف دينار في كل سنة، وهو لا يكلف عشرة دنانير: إن جاريه ثلاثة آلاف في الشهر، ولا يمكنه وهو عامل مصر أن يكون بغير كتاب ولا عمال ولا كراع ولا جمال ولا إعطاء ولا إفضال، وله حرم وأولاد وأقارب وأهل يحتاج لهم إلى مئونة، ولا يخلو أن يرد عليه زوار بكتب من الرؤساء فتقضي المروءة أن يبرهم ويصلهم، إلى غير ذلك مما يصانع به. ومنها: هدايا سنوية إلى الخليفة والسيدة وأنجاله والقهرمانة وكتابهم وأسبابهم. وبهذا رأينا أن العامل كان مضطرا بحسب مصطلح ذلك الزمان إلى أن يسد العجز في موازنته الخاصة من طرق غير مشروعة، وقل العف الجيد الطعمة، وكلما تقدم الزمن وزادت الخلافة العباسية عتقا بليت الأخلاق في الناس، وتبعه تقلقل الإدارة؛ لفسولة رأى القائمين بالدولة وتشعب أغراضهم.
ولقد كان الخلفاء على الأكثر يتخيرون للولايات والوزارات أكتب الناس وأعلمهم، وللقضاء أقضاهم وأفتاهم. وحظوة الرجل عند قومه قد تكون من بواعث توسيد كبار الأعمال إليه خصوصا الوزارات والولايات والقيادات. وأتى زمن بعد المعتصم والوزير أعجم طمطم لا يفهم ولا يفهم، وأصبح أنصار الدولة والغيراء عليها يتأففون ممن لا يحسنون العربية، وإن كان منطويا على صفات أخرى صالحة في تدبير الملك؛ وذلك لكثرة من دخل في الأعمال من غير العرب. وكان معظم العمال يحاولون أن يجروا الرعية على المعاملات القديمة ويحملوهم على الرسوم السليمة. ولكن تطلب أنفس الولاة والعمال إلى العبث بحقوق الناس؛ ليجنوا من ذلك ما تتلمظ له شفاههم من المغانم، كان الباعث على استشراء الفساد في معظم طبقات المجتمع.