تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويتعذر تعداد أفضال المأمون على الأفراد، وحرصه على اختيار رجاله وعنايته بآرائهم وتجاربهم، وغرامه بالعفو والإحسان. قال أحمد بن أبي خالد وزير المأمون لثمامة بن أشرس: كل واحد في هذه الدار - أي في دار الخليفة - له معنى غيرك؛ فإنه لا معنى لك في دار أمير المؤمنين. فقال له المأمون: إن له معنى في الدار، والحاجة إليه بينة. قال: وما الذي يصلح له؟ قال: أشاوره في مثلك هل تصلح لمن معك أو لا تصلح. وثمامة هو من الجماعة الذين كانوا يغشون دار الخلافة

65

وهي دار العامة، ومنهم محمد بن الجهم والقاسم بن سيار، وكان هؤلاء الرجال أشبه بالمستشارين بل أشبه بدعاة الدولة وعنوان الخلافة. هذا إلى ما هناك من شعراء وأدباء وعلماء وفقهاء يختلفون في الأحايين إلى الخليفة فيشاركهم في حديثهم، وينافسهم في صناعتهم، ويفضل عليهم من هباته، فيخرجون وألسنتهم تنطق بحمده، وتدعو بدوام ملكه، ويذكرون للعامة والخاصة ما هو عليه من بعد النظر في سياسة الملك. قال الجاحظ: كان إبراهيم بن السندي مولى أمير المؤمنين عالما بالدولة شديد الحب لأبناء الدعوة، وكان يحوط مواليه ويحفظ أيامهم، ويدعو الناس إلى طاعتهم ويدرسهم مناقبهم، وكان فخم المعاني فخم الألفاظ، لو قلت لسانه كان أرد على هذا الملك من عشرة آلاف سيف وسنان طرير لكان ذلك قولا ومذهبا.

أرانا قد خرجنا من وصف إدارة المأمون إلى وصف سيرته، ونحن إلى ذلك مسوقون على الرغم منا، وأنى لنا أن نصدر حكما صحيحا على حكومة مطلقة قبل أن نتعرف أخلاق رأسها خليفة أو كان ملكا أو أميرا. والرأس هو الكل في مثل هذه الدول، إذا صلح صلح الجسد كله.

الإدارة على عهد المعتصم وأخلافه

إذا ذكر المعتصم فأول ما يتبادر إلى ذهن قارئ التاريخ الإسلامي أنه الخليفة الذي أشرك الترك في الخلافة العباسية وأبعد العرب عنها، فنقض أساس دولته بيده. ولئن كان المنصور بدأ بشراء المماليك واستخدامهم وتابعه من خلفوه على ذلك، فإن العباسيين ما دخلوا فيما دخل فيه المعتصم من وضعه من العرب

66

وإخراجهم من الديوان، وإسقاط أسمائهم، ومنعهم العطاء من العاصمة والولايات. فصار جند العباسيين من العجم والموالي.

اجتمع للمعتصم من الأتراك أربعة آلاف، فألبسهم أنواع الديباج والمناطق الذهبية، وأبانهم بالزي على سائر جنده، واصطنع قوما من اليمن وقيس ومضر وسماهم المغاربة. وأعد رجال خراسان من الفراغنة والأشروسنية وغيرهم من الترك. فأصبح جند الخلافة

67

على عهده خمسة أقسام: خراساني وتركي ومولى وعربي وبنوي،

68

وكثر الهرج والمرج في فيالقهم ببغداد حتى اضطر أن يبني لهم مدينة سامرة «سر من رأى» تخفيفا عن أهل دار السلام؛ لأنهم كثروا على الناس، وضاقت باعتداءاتهم الصدور.

فمن ثم كانت جيوش المعتصم كثيرة مستعدة للقتال عند أقل إشارة، وكان السعد حليفه في غزواته مع الروم. قيل: إنه لما فتح

69

عمورية كانت عدة عساكره خمسمائة ألف فارس، وعلى مقدمته خمسمائة من الخيول البلق، وكانت الحاميات في الثغور أبدا على أتم نظام، وارتفاع الثغور الشامية

70

نحو المئة ألف دينار تنفق

71

في مصالحها من المراقب والحرس والفواثير والركاضة

72

والموكلين بالدروب والمخايض والحصون وغير ذلك من الأمور والأحوال، وما يحتاج إلى شحنتها من الجنود والصعاليك.

73

وتنفق الدولة على مغازي الصوائف والشواتي في البر والبحر في السنة على التقريب مائتي ألف دينار، وعلى المبالغة ثلاثمائة ألف دينار. بيد أن المعتصم لم يكن بالنفقة على شيء أسمح منه بالنفقة على الحرب، وربما كان للمعتصم بعض العذر في ثقته بالأتراك في جيشه، وهم من القديم عرفوا بالحرب واشتهروا بالطاعة لقوادهم، ولكن هذه الغلطة الإدارية كان وبالها بعد على الدولة؛ لأن الأتراك تسللوا إلى الوزارات والقيادات، واستأثروا بالولايات والعمالات، فأصبح لهم بعد السلطان الحقيقي على البلاد، وللخلفاء صبغة غير عملية من الحكم.

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٦٨