116
وأحب عمر أن يجلي المسلمين من الأندلس؛ لأنه كان يعتقد أن مقامهم فيها غير طبيعي؛ لأنهم محاطون بالأعداء بعيدون عن مقر الخلافة. فأمر أحد عماله أن يرسم له مصور الأندلس ليرى في إجلاء المسلمين رأيه، وكتب إلى عامله عبد الرحمن بن نعيم يأمره بإقفال من وراء النهر من المسلمين بذراريهم فأبوا، وكتب إلى عمر بذلك فكتب إليه: «اللهم إني قد قضيت الذي علي، فلا تغز بالمسلمين فحسبهم الذي قد فتح الله عليهم.» كل أولئك يدل على أن عمر ما كان يريد التوسع في الفتوح، ويحاول أن يقتصر على البلاد التي دخلت في المملكة الإسلامية حتى لا تهرق الدماء على غير طائل، ويعمر الناس البلاد، ويصلح أهلها صلاحا دائما على أن يكونوا بين آخري يرجو ثواب الله، ودنياوي يستجمع صفات الشرف في نفسه.
وكتب إلى ملوك الهند يدعوهم
117
إلى الإسلام والطاعة على أن يملكهم ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. وقد كانت بلغتهم سيرته ومذهبه فأسلموا وتسموا بأسماء العرب، ولما ولى إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم ببلاد المغرب سار أحسن سيرة ودعا البربر إلى الإسلام، وكتب إليهم عمر بن عبد العزيز كتابا يدعوهم إلى الإسلام فقرأه إسماعيل عليهم في النواحي فغلب الإسلام على المغرب. وكتب في اللواتيات: «إن من كانت عنده لواتية فليخطبها إلى أبيها أو فليرددها إلى أهلها.» ولواتية قرية من البربر كان لهم عهد، ولما استخلف كتب إلى ملوك ما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام فأسلم بعضهم، ورفع الخراج عمن أسلم بخراسان، وفرض لمن أسلم، وابتنى خانات. ثم بلغ عمر عن عامله عصبية، وكتب إليه أنه لا يصلح أهل خراسان إلا السيف، فأنكر ذلك وعزله وكان عليه دين فقضاه. ووفد عليه قوم من أهل سمرقند فرفعوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر، فكتب إلى عامله يأمره أن ينصب لهم قاضيا ينظر فيما ذكروا، فإن قضى بإخراج المسلمين أخرجوا، فحكم القاضي بإخراج المسلمين، وعلى أن ينابذوهم على سواء،
118
فكره أهل سمرقند الحرب وأقروا فأقاموا بين أظهرهم. قال عمر لمزاحم مولاه: إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وأنا أجعلك عيني على نفسي فإن سمعت مني كلمة تربأ بي عنها أو فعلا لا تحبه، فعظني عنده وانهني عنه. وكان عنده رجلان فجعلا يلحنان فقال الحاجب: قوما قد آذيتما أمير المؤمنين. فقال عمر: أنت آذى لي منهما.
هذا مجمل ما تم في عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز من الإصلاح فأعاد إلى الخلافة جمالها وجلالها على ما كانت عليه أيام جده لأمه عمر بن الخطاب، ولكن عمر بن عبد العزيز عمل في غير زمان عمر بن الخطاب وعمل بغير رجاله. وكان دأب عمر بن عبد العزيز أن يذكر الناس بالآخرة ويخوفهم العذاب، ودأب ابن الخطاب أن يذكرهم العمل للدنيا مع شدة التمسك بحقوق الأخرى. فكانت إدارة عمر بن الخطاب ملائمة لزمانه وسيرة حفيده كذلك؛ لأن الناس فسدوا في أواخر القرن الأول أو بدءوا بالفساد، فكان هجيراه أن يذكرهم بالمعاد ويطهر أخلاقهم. وعمل عمر كل هذا في سنتين وخمسة أشهر وهذا من أعجب ما يدون في تاريخ عظماء الأرض. ولما مرض مرضته التي مات فيها دخل عليه مسلمة بن عبد الملك فقال: ألا توصي يا أمير المؤمنين؟ فقال: فيم أوصي؟ فوالله إن لي من مال. فقال: هذه مائة ألف فمر بها بما أحببت. وقال: أوتقبل؟ قال: نعم. قال: ترد على من أخذت منه ظلما. فبكى مسلمة، ثم قال: يرحمك الله لقد ألنت منا قلوبا قاسية، وأبقيت لنا في الصالحين ذكرا.
إدارة يزيد بن عبد الملك وهشام ويزيد بن الوليد ومروان بن محمد
ولم يكد عمر بن عبد العزيز يلحق بمولاه حتى عادت الدولة إلى سابق عهدها إلا قليلا. وعزل يزيد بن عبد الملك عمال عمر بن عبد العزيز جميعا، وأعاد سب علي على المنابر، وكتب إلى عمال عمر: «أما بعد، فإن عمر كان مغرورا غررتموه أنتم وأصحابكم، وقد رأيت كتبكم إليه في انكسار الخراج والضريبة، فإذا أتاكم كتابي هذا فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى، أخصبوا أم أجدبوا، أحبوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا، والسلام.» ويزيد هذا أحد إخوة أربعة تولوا الخلافة ولقبوا بالأكبش الأربعة، وهذا كان على غير طريقة إخوته.