111
ومنصفا للخصم، ومقتديا بالأئمة.
سخط مسلمة بن عبد الملك على العريان بن الهيثم فعزله عن شرطة الكوفة، فشكا ذلك إلى عمر بن عبد العزيز فكتب إليه: «إن من حفظ أنعم الله رعاية ذوي الأسنان، ومن إظهار شكر الموهوب صفح القادر عن الذنوب، ومن تمام السؤدد حفظ الودائع واستتمام الصنائع. وقد كنت أودعت العريان نعمة من أنعمك فسلبتها عجلة سخطك وما أنصفته، غصبته على أن وليته ثم عزلته وخليته، وأنا شفيعه، فأحب أن تجعل له من قلبك نصيبه، ولا تخرجه من حسن رأيك، فتضيع ما أودعته وتتوي
112
ما أفدته.» فعفا عنه ورده إلى عمله.
خطب يوما فقال: «أيها الناس، لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد
صلى الله عليه وسلم ، ألا وإني لست بقاض، ولكني مقتد، ألا وإني لست بمبتدع ولكني متبع، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بعاص ولكن الإمام الظالم هو العاصي، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.» وقال من خطبة: «وما منكم من أحد تبلغنا حاجته يتسع له ما عندنا إلا حرصنا أن نسد حاجته ما استطعنا، وما منكم من أحد تبلغنا حاجته لا يتسع له ما عندنا إلا تمنيت أن يبدأ بي وبخاصتي حتى يكون عيشنا وعيشه سواء.» ومن غريب أمره في إطلاق حرية القول أن يخطب الناس عبد الله بن الأهتم، ويذكر ما آل إليه أمر الأمة على عهد صاحب الشريعة والخليفتين من بعده، ثم يقول: «إنا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ضلع
113
أعوج.» يقول هذا في عهد عمر بن عبد العزيز، وعمر يسكت عنه! ولطالما أسمعه بعض الناقمين على أهل بيته ما يغضب له الحليم، فما كان يقابلهم بغير الإغضاء يفهمهم من طرف خفي أنه لا يليق بالرجل أن ينال من آله.
وكان عمر يجلس إلى قاص العامة ويرفع يديه إذا رفع، وقاصه محمد بن قيس، وعلم أن أناسا من القصاص يصلون على خلفائهم وأمرائهم يلتمسون الدنيا بعمل الآخرة، فأمرهم بالدعاء للمؤمنين عامة، وأن يلغوا ما سوى ذلك. وأدرك أن البادية يتحفزون إلى أن يرجعوا إلى سيرتهم في الجاهلية، فبعث إليهم برجلين من أرباب الفقه يفقهان الناس في البدو وأجرى عليهما رزقا. وكأنه قطع عهدا على نفسه إذا ولي أمر المسلمين «أن لا يضع لبنة على لبنة ولا آجرة على آجرة.» لئلا يقع في ذلك حيف على الرعية. وهم يتولون من ذلك ما يصلحهم من إقامة القصور والبيوت، أما هو فيعمل لإغنائهم وحملهم على الجادة، حتى لم يبق فقير في أيامه في أكثر الأمصار؛ لكثرة ما وزع على الفقراء من أموال الصدقات: يقبض عماله الصدقة، ثم يقسمونها في الفقراء حتى إنه ليصيب الرجل الفريضتان أو الثلاث فما يفارقون الحي وفيهم فقير، ولا ينصرفون إلى الخليفة
114
بدرهم. بعث عاملا على صدقات إفريقية
115
فأراد أن يعطي منها الفقراء فالتمسهم في كل مكان فلم يجد فيها فقيرا يقبل أن يأخذ صدقة بيت المال، فاشترى بها رقابا وأعتقها، وجعل ولاءهم للمسلمين. وما مات عمر حتى جعل الرجل يأتي بالمال العظيم ويقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، لا يجد من يضعه فيهم، لكثرة ما أغنى الناس عمر.
ومن أهم ما عمله عمر في حسن الإدارة والسياسة: أنه لم يشأ - لما وسدت إليه الخلافة - أن يبدأ بعمل قبل أن يستدعي المسلمين من أرض الروم، وقال: لرجل من المسلمين أحب إلي من الروم وما حوت. وفي سنة 100 أمر أهل طرندة بالقفول عنها إلى ملطية، ثم اشترى ملطية من الروم بمائة ألف أسير، فجعل لدولته سدا منيعا، وأنقذ المسلمين من ذل الأسر. وأراد هدم المصيصة، ونقل أهلها عنها لما كانوا يلقون من الروم فتوفي بعد ذلك.
ولما بلغ صاحب القسطنطينية نعيه نزل عن سريره وبكى، وذكر من مآثر عمر أمام وفد من العرب، كان ذهب للفداء بين المسلمين والروم، ما أبكى المقل، ومما قال: لقد بلغني من بره وفضله وصدقته ما لو كان أحد بعد عيسى يحيي الموتى لظننت أنه يحيي الموتى، ولقد كانت تأتيني أخباره باطنا وظاهرا فلا أجد أمره مع ربه إلا واحدا، بل باطنه أشد حين خلواته بطاعة مولاه، ولم أعجب لهذا الراهب الذي قد ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعته، ولكني عجبت لهذا الراهب الذي صارت الدنيا تحت قدميه فزهد فيها حتى صار مثل الراهب.