وجاء دور هشام في الخلافة وناهيك به من «رجل محشو عقلا» وفيه من الحلم والأناة والعفة ما ظهرت آثاره في إدارة الملك، وعد أحد السواس الثلاثة من بني أمية وهم معاوية وعبد الملك وهشام، وبه ختمت أبواب السياسة وحسن السيرة ، وكان يحب جمع المال وعمارة الأرض واصطناع الرجال وتقوية الثغور وإقامة البرك والقنى في طريق مكة وغير ذلك، ويسير بموكب كسائر الخلفاء من أهل بيته، ولم يكن مثل ذلك لغير أخيه مسلمة بن عبد الملك. وافتتح عهده بعزل عمر بن هبيرة عن العراق وتولية خالد بن عبد الله القسري، فأدار هذه الولاية
119
العظيمة نحو خمس عشرة سنة بإقامة العدل وإفاضة السلام والعمل الصالح. وكان هشام على غاية الإخلاص متقللا متقشفا في ذاته، يقوم بواجب الخلافة حق القيام، ومن أكبر همه إصلاح أموال الدولة، وغلب عليه الاقتصاد حتى كاد ينقلب إلى شح. بينا هو يوصي عقال بن شبة
120
لما وجهه إلى خراسان نظر هذا إلى قباء الخليفة فقال: ما لك؟ قال: رأيت عليك قبل أن تلي الخلافة قباء فنك
121
أخضر فجعلت أتأمل هذا أهو ذاك أم غيره. فقال: هو - والله الذي لا إله إلا هو - ذاك، ما لي قباء غيره، وأما ما ترون من جمعي هذا المال وصونه فإنه لكم.
وكانت دواوينه مثال التدقيق والعناية في معاملة الرعية ومحاسبة العمال الذين يتصرفون له؛ يتخيرهم من الأمناء البعيدين «من الفساد ومن الرشا ومن الحكم بالهوى» ويعتمد في توسيد عظام الأعمال على أناس من أهل بيته. قال عبد الرحمن بن علي: جمعت دواوين بني مروان فلم أر ديوانا أصح للعامة للسلطان من ديوان هشام. وقال غسان بن عبد الحميد: لم يكن أحد من بني مروان أشد حصرا في أمر الصحابة ودواوينه ولا أشد مبالغة في الفحص عنهم من هشام.
كتب هشام إلى والي العراق لما أخذ ابن حسان النبطي فضربه بالسياط، وكان أوغر صدر هشام عليه من إفراط الدالة واحتجان الأموال وكفر ما أسداه إليه من توليته إياه العراق: «إن هشاما آثرك بولاية العراق، بلا بيت رفيع ولا شرف قديم، وهذه البيوتات تعلوك وتغمرك وتسكتك وتتقدمك في المحافل والمجامع عند بداءة الأمور وأبواب الخلفاء.» ومما قال له: «إنه استعان بالمجوس والنصارى وولاهم رقاب المسلمين وجبوة خراجهم وسلطهم عليهم.» وقال له: «والله لو كنت من ولد عبد الملك بن مروان ما احتمل لك أمير المؤمنين ما أفسدت من مال الله، وضيعت من أمور المسلمين، وسلطت من ولاة السوء على جميع أهل كور عملك تجمع إليك الدهاقين
122
هدايا النيروز والمهرجان، حابسا لأكثره، رافعا لأقله مع مخابث مساويك.»
123
وغزا هشام الروم عدة غزوات موفقة، وكان الأسطول يشترك مع الجيش البري من اليابسة، وذلك بقيادة ابنيه معاوية وسليمان. وتقدمت جيوشه في الشرق فغزا الترك، وأخذ دعاة بني العباس وثوار الخوارج في أيامه يعملون سرا وجهرا إذا أمكنتهم الحال، وعلى ما في هشام من بعد نظر لم يقدر مدى الدعوة التي عادت بعد على دولته بالوبال، مع أنه كان معروفا بالشدة في مثل هذه المسائل. وظل أعداء الدولة ينقضون في أساسها، وما كان بما عرف فيه من العقل يريد إثارة الخواطر فيما لا يعود على السلطان بفائدة؛ فقد لقيه في الحج سنة 106 سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان وقال له: يا أمير المؤمنين، إن الله لم يزل ينعم على بيت أمير المؤمنين، وينصر خليفته المظلوم، ولم يزالوا يلعنون في هذه المواطن الصالحة أبا تراب - علي بن أبي طالب - فأمير المؤمنين ينبغي له أن يلعنه في هذه المواطن الصالحة. فشق ذلك على هشام، وثقل عليه كلامه، ثم قال: ما قدمنا لشتم أحد ولا للعنه، قدمنا حجاجا، ثم قطع كلامه.
124
وذكروا أن هشاما كان ينزل الرصافة من أرض قنسرين، وكان سبب نزوله إياها أن الخلفاء كانوا ينتبذون