كان عمر قبل أن يقلد الخلافة عهد إليه الوليد بن عبد الملك بإمارة الحجاز «مكة والمدينة والطائف» فأبطأ عن الخروج فقال الوليد لحاجبه: وما بال عمر لا يخرج إلى عمله! قال: زعم أن له إليك ثلاث حوائج قال: فعجله علي. فجاء به الوليد، فقال له عمر: إنك استعملت من كان قبلي فأنا أحب أن لا تأخذني بعمل أهل العدوان والظلم والجور. فقال له الوليد: اعمل بالحق وإن لم ترفع إلينا درهما واحدا.
84
فلعمر إذا طريقته في الإدارة اشترط قبل أن يتولى الإمارة أن تترك له حرية العمل، وكان يشعر قبل الخلافة بأن في إدارة الدولة شيئا من الظلم. فقال يوما لأسامة بن زيد - وقد بعثه سليمان بن عبد الملك على ديوان جند مصر، وحثه على توفير الخراج: ويحك يا أسامة! إنك تأتي قوما قد ألح عليهم البلاء منذ دهر طويل، فإن قدرت أن تنعشهم فأنعشهم.
ولما بويع عمر شرع لأول أمره بصرف عمال من كان قبله من بني أمية، واستعمل أصلح من قدر عليه فسلك عماله طريقته،
85
وأخذ يرد المظالم مظلمة مظلمة لا يدع شيئا مما كان في أيدي أهل بيته إلا رده. وكتب إلى جميع عماله: إن الناس قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله، وسنن سيئة سنتها عليهم علماء السوء، قلما قصدوا الحق والرفق والإحسان. وكان أول خطبة خطبها: أيها الناس، من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما لا نهتدي إليه، ولا يغتابن عندنا الرعية، ولا يعترض فيما لا يعنيه.
وبدأ بنفسه فنزل عن أملاكه التي انتقلت إليه من أبيه بالإرث الشرعي، ورد على رجل قدم عليه من حلوان ادعى أن والده عبد العزيز لما كان واليا على مصر أقطعه عبد الملك بن مروان أرض حلوان فورثها عمر وإخوته. فقال عمر: إن لي فيها شركاء إخوة وأخوات لا يرضون أن أقضي فيها بغير قضاء قاض. وقام معه إلى القاضي فقعد بين يديه، فتكلم عمر بحجته وتكلم المدعي فقضى القاضي له، فقال عمر: إن عبد العزيز قد أنفق عليها ألف ألف درهم. قال القاضي: قد أكلتم من غلتها بقدر ذلك. فثلجت نفس عمر بحكم القاضي، وقال: وهل القضاء إلا هذا؟ تالله لو قضيت لي ما وليت لي عملا. وخرج إلى الرجل من
86
حقه، وأراد أهله على أن يتخلوا عن أملاكهم فقطع بالمقراض كتب الإقطاعات بالضياع والنواحي. قالوا: ولما أقبل عمر على رد المظالم، وقطع عن بني أمية جوائزهم وأرزاق حراسهم، ورد ضياعهم إلى الخراج، وأبطل قطائعهم ضجوا من ذلك على رءوس الملأ في المسجد. وكانت انتهت لهم هذه الإقطاعات من الخلفاء السالفين. ذكروا أنه كانت غلة عمر لما بويع بالخلافة بين أربعين وخمسين ألف دينار، وما زال يردها حتى كانت يوم وفاته مائتي دينار، ولو بقي لردها كلها فأفقر نفسه حتى يقوى على بعض آله، فيسترد منهم ما أخذوا من عقار ومزارع. وخلف من الناض بضعة دنانير، ولم يرتزق من بيت مال المسلمين شيئا ولم يرزأه
87
حتى مات. وأداه اجتهاده إلى أن في صيغة امتلاك آل بيته الضياع والرباع نظرا، وأن ما ورثه وورثوه بالطرق المشروعة يقضي العدل المطلق برده على من أخذ منه. واعتقاد الضياع واستثمار الأموال من شأنه الرعايا لا الرعاة، فكان نظره أعلى، وطريقته أمثل وأعدل.
وكان الرسول أقطع بلال بن الحرث المزني أرضا فيها جبل ومعدن فباع بنو بلال عمر بن عبد العزيز أرضا منها فظهر فيها معدن أو قال معدنان، فقالوا: إنما بعناك أرض حرث ولم نبعك المعادن، وجاءوا بكتاب النبي لهم في جريدة فقبلها عمر ومسح بها عينه، وقال لقيمه: انظر ما خرج منها وما أنفقت، وقاصهم بالنفقة، ورد عليهم الفضل.
وأبطل عمر بن عبد العزيز هدايا النيروز والمهرجان
88
وكانت تحمل إلى معاوية ومن بعده وقدرها عشرة آلاف ألف، وهي من العادات الفارسية، وأقرها معاوية وأنكرها علي. وقضى عمر بأن يكتفى بالخراج وزن سبعة «ليس لها آيين