تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتوسع الأمويون في هذه الحقبة في إفاضة الأموال على عمالهم، وكان القاضي بمصر مثلا يرزق ألف دينار في السنة. كان ابن حجيرة الأكبر في مصر (69-83) على القضاء والقصص

80

وبيت المال، فكان رزقه من القضاء مائتي دينار، وفي القصص مائتي دينار، ورزقه في بيت المال مائتي دينار وعطاؤه مائتي دينار وجائزته مائتي دينار. على أن العادة الجارية عندهم أن لا يعطى العامل سوى رزق واحد. ولم يكن أحد من بني مروان يأخذ العطاء إلا عليه الغزو، فمنهم من يغزو ومنهم من يخرج بدلا. وكانوا يصيرون أنفسهم في أعوان الديوان في بعض ما يجوز لهم المقام به، ويوضع به الغزو عنهم. أما الحجاج فكان يشتد في تجنيد الناس لأنه يقظ حذر دائما، فكان لا يدع قرشيا ولا رجلا من بيوتات العرب إلا أخرجه «وضرب

81

البعث على المحتلمين ومن أنبت من الصبيان، فكانت المرأة تجيء إلى ابنها وقد جرد فتضمه إليها وتقول له: بأبي! جزعا عليه. فسمي ذلك الجيش: جيش بأبي.» وكان تجريد الشبان من ثيابهم للاطلاع على عيوب أجسامهم فينبذ السقيم ويجند السليم. وخطب الحجاج لما جاء واليا على العراق، وقد بعث بشر بن مروان المهلب إلى الحرورية، ومما قال: «وإياي وهذه الزرافات والجماعات وقال وقيل وما يقولون وفيم أنتم، والله لتستقيمن على طريق الحق أو لأدعن لكل رجل شغلا في جسده، ومن وجدته بعد ثالثة من بعث المهلب سفكت دمه، وانتهبت ماله، وهدمت منزله.» فشمر الناس بالخروج إلى المهلب، ولا يمنع بعث البعوث عند الشدائد من وجود جيوش عند الخليفة وعماله في الأقطار تشبه الجيش الدائم تحت السلاح يتيسر حشده عند الحاجة بقليل من العناية.

وكأن سياسة الدولة في هذا العهد كانت صورة من سياسة الحجاج؛ فقد كتب إليه الوليد يأمره أن يكتب إليه بسيرته فكتب إليه: إني أيقظت رأيي وأنمت هواي، وأدنيت السيد المطاع في قومه، ووليت الحرب الحازم في أمره، وقلدت الخراج الموفر لأمانته، وقسمت لكل خصم من نفسي قسما أعطيته حظا من لطيف عنايتي ونظري، وصرفت السيف إلى النطف

82

المسيء، والثواب إلى المحسن البريء، فخاف المريب صولة العقاب، وتمسك المحسن بحظه من الثواب. ا.ه.

ولما أفضى الأمر إلى سليمان بن عبد الملك أقر عمال من كانوا قبله على أعمالهم، وجلس في صحن المسجد وقد بسطت لديه البسط والنمارق

83

عليها، وصفت الكراسي، وأذن للناس بالجلوس، وإلى جانبه الأموال والكساوي وآنية الذهب والفضة، فيدخل وفد الجند ويتقدم صاحبهم فيتكلم عنهم وعمن قدموا من عنده، فيأمر سليمان بما يصلحهم ويرضيهم، فما يطلب أحد شيئا إلا نوله مرامه، ورد المظالم، وعزل عمال الحجاج، وأخرج من كان في سجنه في العراق، وأعتق سبعين ألف مملوك ومملوكة وكساهم.

إدارة عمر بن عبد العزيز

عمل الخلفاء السبعة الأول من الأمويين في إدارة الملك الإسلامي بما أوحاه إليه عقلهم وعملهم ، فكان الصحابة منهم والتابعون على مثال خالفوا فيه مرغمين بعض طريقة الراشدين؛ لأن علمهم بالناس زاد بما فتح الله عليهم من البلاد، ولأنه نشأت أحداث جديدة، ودخلت في الإسلام عناصر أخرى. وكان عهد الأمويين صورة من دولة عادلة تتساهل في الأخذ بما لا يضر من الأوضاع، وتقتبس ما تضطرها إليه طبيعة البلاد المفتتحة. وأكثر ما اهتموا له توفير الجباية مع النظر إلى عمران البلاد والدفاع عن الحوزة، والحساب للمستقبل بادخار فضل الأموال، والظهور بمظهر دنيوي لا يعبث بأصل من أصول الدين.

كان أكثر خلفاء الأمويين يقيلون العامل إذا حدث في جهته خرق لا يستطيع رتقه، أو فتنة تهرق فيها الدماء، وتكلف الدول مالا، وجعلوا همهم في مقاتلة الخوارج والشيعة في الداخل، وغزو الروم والتوسع في الفتح من الشرق والغرب في الخارج، وكثيرا ما كانت بعض الأنحاء تثور على الدولة، إما لسبب تفاحش الخراج، أو لأسباب أخرى كما كان من قبط مصر فخرجوا غير مرة على الأمويين وعلى من خلفوهم، وكانوا يرجعون مخذولين، وربما كان من بعض عمالهم من اشتط في تقاضي الخراج والجزية والصدقات، والظلم ما خلا عصر منه، وخصوصا في دولة ليست مشاكلها متشاكلة، ولا أجيال الناس في أصقاعها متوحدة متماثلة، وغاية ما يقال في الإدارة المتبعة أبدا توسيع سلطة العامل، حتى يسرع في فض مصالح الناس، ذلك لأن العرب ألفوا التقاضي على عجل، وما عرفوا التطويل في الخصومات والمراجعات. وهذا ما كان ظاهرا كل الظهور في عهد الخوالف من بني أمية، ولا سيما في خلافة عمر بن عبد العزيز واسطة عقد الأمويين، والمثل الأعلى للعدل الإسلامي.

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٣٩