71
لما دعا عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق إلى نفسه بالخلافة، واستولى على دمشق لما سار عبد الملك بجيوشه إلى العراق ليملكها من ابن الزبير. فعمل عبد الملك في اتقاء بأس الروم كما عمل معاوية لما شغل بقتال علي، فصالح الروم على مال يؤديه إليهم، وليس من الحزم في دولة أن تحارب حربين داخلية وخارجية في وقت واحد. وفعل عبد الملك مثل ذلك في مداراة الروم فجدد الهدنة مع ملكهم على أن يدفع لهم كل يوم ألف دينار وفرسا ومملوكا، ويقاسم ملكهم على خراج قبرص وأرمينية على شرط أن يخرج اللبنانيون من جبلهم وكانوا عصوا عليه واتفقوا مع الوم، وآلى اللبنانيون بعد ذلك أن لا يتعرضوا للعرب، فلقب اللبنانيون بالمردة؛ لأنهم عصوا أمر ملك الروم. وما كان عبد الملك إلا محافظا على اعتداله لا يدهش لما يحل به من المفظعات
72
يحل مسائل الدولة بروية وتعقل وصبر.
ويعد عبد الملك في العلماء كما يعد من أكبر الساسة. قال الجاحظ: كان عبد الملك بن مروان سنان قريش وسيفها رأيا وحزما، وعابدها قبل أن يستخلف ورعا وزهدا، وهو أول من لقب من الخلفاء بلقب الموفق لأمر الله ثم لقب الوليد المنتقم
73
لأمر الله، ولم يشتهرا بهذين اللقبين كثيرا.
74
وأوصى عبد الملك أولاده أن يعطف الكبير منهم على الصغير، وأن يعرف الصغير حق الكبير، وحذرهم البغي والتحاسد، وأوصاهم بأخيهم مسلمة وأن يصدروا عن رأيه، وأن يكرموا الحجاج فإنه هو الذي وطأ لهم هذا الأمر. أوصى به ولطالما تبرم من أعماله في حياته. والحجاج وزياد وعتبة بن أبي سفيان وخالد القسري الذي تولى العراق زمنا طويلا، وقتيبة بن مسلم أمير خراسان وفاتح خوارزم وسمرقند وبخارى الذي دخل إلى ملك الصين وضرب عليه الجزية ... وأمثالهم، كانوا في بني أمية «قطب الملك الذي عليه مدار السياسة، ومعادن التدبير وينابيع البلاغة وجوامع البيان، هم راضوا الصعاب حتى لانت مقاودها، وخزموا الأنوف حتى سكنت شواردها، ومارسوا الأمور، وجربوا الدهور، فاحتملوا أعباءها، واستفتحوا مغالقها حتى استقرت قواعد الملك، وانتظمت قلائد الحكم، ونفذت عزائم السلطان.»
75
إدارة الوليد وسليمان
وتولى الوليد بن عبد الملك الخلافة فسار على سيرة أبيه، وراعى إخوته، وحث أولاده على اصطناع المعروف، وكان غرامه بعمران البلاد وإقامة المصانع والجوامع واعتقاد
76
الضياع؛ فقلده رعاياه في ذلك، فكان الناس في أيامه يخوضون في رصف الأبنية، ويحرصون على التشييد والتأسيس، ويولعون بالضياع والعمارات
77
لوفرة الثروة في أيدي الناس. وقد كتب أحد عمال الوليد بن عبد الملك أن بيوت الأموال قد ضاقت من مال الخمس فكتب إليهم أن يبنوا المساجد. وأجرى الوليد على القراء وقوام المساجد الأرزاق، وكذلك على العميان وأصحاب العاهات والمجذمين، وأخدم كل واحد منهم خادما، وكان يهب أكياس الدراهم تفرق في الصالحين، وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة، وزاد الناس جميعا في العطاء عشرة عشرة، وذلك للشاميين خاصة، وزاد أهل بيته في جوائزهم الضعف. وفي مئات الألوف من الدنانير التي أنفقها على إقامة الجوامع والمصانع، وما كان في خزائنه من الأموال التي تكفي الدولة خمس عشرة سنة مقنع لمن أراد أن يتصور الأموال التي احتجنها هو ومن قبله من الخلفاء استعدادا للطوارئ.
ودخلت الدولة في حالة استقرار ونظام في الإدارة، وانتهى
78
تعريب المملكة والإدارة، وأخذت الوظائف الكبرى من النصارى، ونحي آل سرجون الدمشقيون عن إدارة الأموال، وبلغت الفتوحات أقصى حدودها. وظهرت أبهة الملك والسلطان، ومالت الدولة إلى إقامة الأعمال العظيمة على الدهر؛ تخليدا للذكر وإشادة بالفخر، والوليد هو الذي جود القراطيس وجلل
79
الخطوط وفخم المكاتبات وتبعه من بعده من الخلفاء إلا عمر بن عبد العزيز ويزيد بن الوليد؛ فإنهما جريا في المكاتبات على طريقة السلف. ثم جرى الأمر بعدهما على ما سنه الوليد بن عبد الملك إلى أن صار الأمر إلى مروان بن محمد فعمدوا إلى الإطناب. وكان الوليد موفقا في فتوحه في الشرق والغرب بفضل قواده وولاته ممن كان يعرف لهم أقدارهم، وما كانت فتوحه تشغله عن النظر في عمران البلاد. ومن خلق الوليد أنه كان سمحا يسره أن يرى لعماله شيئا من الرفاهية. كتب إليه الحجاج أنه أصيب لمحمد بن يوسف خمسون ومائة ألف دينار فإن يكن أصابها من حلها فرحمه الله، وإن تكن من خيانة فلا رحمه الله. فكتب إليه الوليد أن محمد بن يوسف أصاب ذلك المال من تجارة أحللناها له، وأمره أن يترحم عليه.