تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال زياد: ما غلبني أمير المؤمنين إلا في واحدة، طلبت رجلا فلجأ إليه وتحرم

13

به. فكتب إليه: إن هذا فساد لعملي إذا طلبت رجلا لجأ إليك وتحرم بك. فكتب إليه معاوية: إنه لا ينبغي أن نسوس الناس بسياسة واحدة فيكون مقامنا مقام رجل واحد، ولكن تكون أنت للشدة والغلظة، وأكون أنا للرأفة والرحمة، فيستريح الناس بيننا. وأعظم بمثل هذا الدهاء! وقديما قالوا: الدهاة أربعة؛ معاوية للروية، وعمرو بن العاص للبديهة، والمغيرة بن شعبة للمعضلات، وزياد لكل كبيرة وصغيرة. وقال بعضهم: دهاة العرب وذوو الرأي والمكيدة: معاوية وعمرو والمغيرة وقيس بن سعد وعبد الله بن بديل بن ورقاء. وأربعة ممن ذكر دبروا ملك بني أمية والآخران كانا من جماعة علي.

علمنا أن معاوية ما كان يستخدم الحسام، إذا أجزأه

14

الكلام، رمى أهل مصر بعمرو بن العاص لأنهم اشتركوا في مقتل عثمان، كما اشتركت الكوفة والبصرة وبعض أهل المدينة، ولما هلك ولى مصر أخاه عتبة بن أبي سفيان،

15

وكان والي عمر على الطائف وصدقاتها، وهو من بلغاء الخطباء، قيل: لم يكن في بني أمية أخطب منه. فاشتد على أهل مصر وطأمن من جماحهم، وأدخل الرهبة على قلوبهم. ومن جملة ما خطبهم، وفيه نموذج من خطته وخطة أخيه، قوله:

يا أهل مصر، خف على ألسنتكم مدح الحق ولا تفعلونه، وذم الباطل وأنتم تأتونه، كالحمار يحمل أسفارا أثقله حملها ولم ينفعه علمها، وإني والله لا أداوي أدواءكم بالسيف، ولا أبلغ السيف ما كفاني السوط، ولا أبلغ السوط ما كفتني الدرة، ولا أبطئ عن الأولى إن لم تصلحوا عن الأخرى، ناجزا

16

بناجز، ومن حذر كمن بشر، فدعوا قال ويقول، من قبل أن يقال فعل ويفعل، فإن هذا اليوم الذي ليس فيه عقاب، ولا بعده عتاب. وخطب الناس بمصر عن موجدة

17

فقال: يا حاملي ألأم آنف

18

ركبت بين أعين، إني إنما قلمت

19

أظفاري عنكم ليلين مسي لكم، وسألتكم صلاحكم؛ إذ كان فسادكم باقيا عليكم، فأما إذا أبيتم إلا الطعن على السلطان، والتنقص للسلف، فوالله لأقطعن بطون السياط على ظهوركم، فإن حسمت أدواؤكم وإلا فإن السيف من ورائكم، فكم من حكمة منا لم تعها قلوبكم، ومن موعظة منا صمت عنها آذانكم، ولست أبخل عليكم بالعقوبة، إذ جدتم بالمعصية، ولا أويسكم من مراجعة الحسنى، إن صرتم إلى التي هي أبر وأتقى.

واستخلف عتبة هذا عاملا له على أهل مصر، وكانت له شدة، فامتنع عليه بعض أهلها فكتب إلى عتبة. فقدمها فدخل المسجد ورقي المنبر، وقال: يا أهل مصر، قد كنتم تعذرون ببعض المنع منكم لبعض الجور عليكم، وقد وليكم من إن قال فعل، فإن أبيتم درأكم

20

بيده، فإن أبيتم درأكم بسيفه، ثم جاء في الآخر ما أدرك في الأول: إن البيعة شائعة، لنا عليكم السمع، ولكم علينا العدل، وأينا غدر فلا ذمة له عند صاحبه. فناداه المصريون من جانب المسجد: «سمعا سمعا.» فناداهم: «عدلا عدلا.» تهديد نافع هدد به عتبة أهل مصر ليحملهم على الطاعة، ويدفع عن البلاد غائلة الفتن بموعظته في خطبته، وأسلوب جميل في الإدارة من أنفع الطرق التي تنجع فيها الخطابة السياسية.

وكلما لمح عتبة شرارة الفتنة خطب القوم بما يطفئها من معين بلاغته. احتبست كتب معاوية حتى أرجف أهل مصر بموته، ثم ورد كتابه بسلامته؛ فصعد عتبة المنبر والكتاب بيده وقال: «يا أهل مصر، قد طالت معاتبتنا إياكم بأطراف الرماح وظبات

21

السيوف حتى صرنا شجى في لهواتكم

22

ما تسيغنا حلوقكم، وأقذاء

23

في أعينكم ما تطرف عليها جفونكم، فحين اشتدت عرى الحق عليكم عقدا، واسترخت عقد الباطل منكم حلا؛ أرجفتم بالخليفة وأردتم توهين السلطان، وخضتم الحق إلى الباطل، وأقدم عهدكم به حديث؟ فاربحوا أنفسكم إذ خسرتم دينكم، فهذا كتاب أمير المؤمنين بالخبر السار عنه، والعهد القريب منه، واعلموا أن سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم، فأصلحوا لنا ما ظهر نكلكم إلى الله فيما بطن، وأظهروا خيرا وإن أسررتم شرا، فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون، وعلى الله نتوكل وبه نستعين.» ا.ه.

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٢٩