تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وخطب عتبة في الموسم في سنة إحدى وأربعين، وعهد الناس حديث بالفتنة، فاستفتح ثم قال: «أيها الناس إنا قد ولينا هذا الموضع الذي يضاعف الله فيه للمحسن الأجر، وعلى المسيء الوزر، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا، فإنها تنقطع دوننا، ورب متمن حتفه في أمنيته، اقبلوا العافية ما قبلناها منكم وفيكم.» وقد عرفنا بهذه النموذجات من الخطب كيف أخذ بنو أمية يصفون البلاد من كدورات الفتنة، وبعتبة وبأمثاله أدخلوا الناس في الطاعة، وكانوا ركبوا رءوسهم

24

في الغوائل وأوغلوا، وبعتبة وبأمثاله من العمال الذين كانوا يعملون للجماعة بعقولهم وقلوبهم، وهم على اقتناع من صحة دعواهم، دفعوا الناس إلى الانقطاع إلى أعمالهم، واضطروهم إلى أن يتركوا الخوض في سياسة الملك، إلى من يحسن القيام عليها. ومن نظر في سيرة أولئك العمال يأخذه العجب من عفتهم عن الأموال، وتبلغهم بالقليل، وإنفاقهم بلا حساب لتأليف الشارد واستمالة الخصم المعاند؛ فقد ذكر المؤرخون أن عمرو بن العاص الذي ولي مصر مرتين، وجعلها له معاوية في المرة الثانية طعمة بعد الإنفاق على مرافقها إذا هو ساعده على قتال علي. إن هذه الطعمة لم تعد على عمرو بثروة تذكر، وما اشتد عمرو على أهل مصر اشتداد عتبة لأن هذا كان في سن الكهولة وعمرو في سن الشيخوخة، والشيوخ في الإدارة أقرب إلى الحنكة

25

والروية من الشباب على الأغلب. أما سائر عمال الدولة فكانوا بحسب الحال: على طريقة عتبة الناطقة أو على طريقة عمرو الصامتة.

كانت العراق بعد حوادث علي تغلي غليان المرجل

26

بالثوار، وتعج بأرباب الشغب، فرماهم معاوية بزياد بن أبي سفيان فخطب أهلها قائلا: «حرام علي الطعام والشارب حتى أسويها بالأرض هدما وإحراقا، إياي ودلج

27

الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وإياي ودعوى الجاهلية فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثا وأحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غرق قوما أغرقته، ومن أحرق قوما أحرقته، ومن نقب بيتا نقبت عن قلبه، ومن نبش قبرا دفنته فيه حيا، فكفوا أيديكم وألسنتكم أكف عنكم، وقد كانت بيني وبين أقوام أشياء قد جعلتها دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان محسنا فليزدد، ومن كان مسيئا فلينزع. إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا، حتى يبدي لي صفحته

28

فإذا فعل ذلك لم أناظره، فأعينوا على أنفسكم وأتنفوا

29

أمركم.» ومعنى هذا أن زيادا أعلن في العراق الإدارة العرفية العسكرية، وصرح بأنه يتناسى ما سبق للقوم من الخطيئات للدولة ولنفسه، إذا أحسنوا السيرة، وأنه ينوي افتتاح عهد جديد يغاث فيه الناس ويستريح السلطان. ومع هذه الشدة البادية في كلام

30

زياد كان يبعث إلى الجماعة منهم، فيقول: ما أحسب الذي يمنعكم من إتياني إلا الرجلة

31

فيقولون: أجل. فيحملهم ويقول: اغشوني الآن واسمروا عندي. يحاول تألفهم والوقوف على آرائهم من طرف خفي، والبعد جفاء، والعامل مضطر إلى أن يعلم البواطن والظواهر، ولا ميدان لالتقاط الفوائد إلا في المجالس الخاصة. قال عمر بن عبد العزيز: قاتل الله زيادا جمع لهم كما تجمع الذرة، وحاطهم كما تحوط الأم البرة، وأصلح العراق بأهل العراق، وترك أهل الشام في شامهم، وجبى العراق مائة ألف ألف وثمانية عشر ألف ألف. ا.ه.

كان زياد إذا ولى رجلا قال له: خذ عهدك وسر إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأس سنتك، وأنك تصير إلى أربع خلال فاختر لنفسك: إذا وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا بك لضعفك، وسلمتك من موتنا أمانتك، وإن وجدناك خائنا قويا استهنا بقوتك، وأحسنا على خيانتك أدبك فأوجعنا ظهرك، وأثقلنا غرمك، وإن جمعت علينا الجرمين، جمعنا عليك المضرتين، وإن وجدناك أمينا قويا زدنا في عملك، ورفعنا لك ذكرك، وأكثرنا مالك وأوطأنا

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٣٠