تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان

الآية، وقيل: بل جعل مكان ذلك:

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر

وقيل بل جعلهما جميعا، وكان العلويون يقنتون عقب الصلوات يلعنون بني أمية يشفون بذلك نفوسهم الثائرة، من أجل دماء مطلولة، وطوائل

9

طويلة، وملك مستأثر به.

واقتفى معاوية فعل عمر بن الخطاب في العلم بأخبار رجاله ورعيته فانتظم له أمره، وكذا كان زياد بن أبيه وعبد الملك والحجاج. قال الجاحظ: ثم لم يكن بعد هؤلاء أحد في مثل هذه السياسة حتى ملك المنصور، ونقل عن زياد أن رجلا كلمه في حاجة، وجعل يتعرف إليه، ويظن أن زيادا لا يعرفه فقال: أنا فلان بن فلان، فتبسم زياد وقال له: أتتعرف إلي وأنا أعرف منك بنفسك؟ والله إني لأعرفك وأعرف أباك وأمك وأعرف جدك وجدتك وأعرف هذا البرد الذي عليك وهو لفلان وقد أعارك إياه، فبهت الرجل وأرعد

10

حتى كاد يغشى عليه.

قلنا: إن معاوية كان يتخير عماله من كفاة أهل بيته أو من غيرهم من رجال دولته وأنصار دعوته، وقد انتهى إلى علمه أن ابن أخته عبد الرحمن بن أم الحكم عامله على الكوفة قد أساء السيرة في إمارته فعزله وأقصاه عن الحكم، وقيل: إن سبب عزله أن عبد الله بن همام السلولي قال شعرا وكتبه في رقاع ألقاها في المسجد الجامع وهي:

ألا أبلغ معاوية بن صخر

فقد خرب السواد فلا سوادا

أرى العمال أقساء علينا

بعاجل نفعهم ظلموا العبادا

فهل لك أن تدارك ما لدينا

وتدفع عن رعيتك الفسادا

وتعزل تابعا أبدا هواه

يخرب من بلادته البلادا

إذا ما قلت أقصر عن هواه

تمادى في ضلالته وزادا

وكان معاوية إذا أراد أن يولي رجلا من بني حرب ولاه الطائف، فإن رأى منه خيرا وما يعجبه ولاه مكة معها، فإن أحسن الولاية وقام بما ولي قياما حسنا جمع له معهما المدينة. فكان إذا ولى الطائف رجلا قيل هو في أبي جاد، فإذا ولاه مكة قيل هو في القرآن، فإذا ولاه المدينة قيل هو قد حذق.

11

وأوصى أحد أقاربه ممن استعمله فقال: لا تبيعن كثيرا بقليل، وخذ لنفسك من نفسك، واكتف فيما بينك وبين عدوك بالوفاء تخف عليك المؤنة وعلينا منك، وافتح بابك للناس. وقال لآخر: إذا أعطيت عهدا فف به، ولا تخرجن منك أمرا حتى تبرمه، فإذا خرج فلا يردن عليك، ولا تطمعن أحدا في غير حقه ولا تؤيسن أحدا من حق له. قواعد وضعها معاوية لعماله وفيها شيء من الأساليب لكف الناس بعضهم عن بعض، وإرضاء كل واحد بحقه، وتوفير ثقة الرعايا بولاتهم؛ ليعتقدوا أنهم لا يكذبون، وأنهم إذا قالوا فعلوا.

ومن يمن الدولة الأموية أن كانت لا تستعمل من العمال إلا من ثبتت كفاءته ونجدته في تأييد سلطانها، يمحضونها النصح، ولا يغفلون عن تعهد حال الناس، وكشف ظلاماتهم، واتخاذ الطرق المفضية إلى ما فيه راحتهم وهناؤهم، وإذا تبرم أهل قطر بتدابير من وليهم ينقله الخليفة إلى قطر آخر يستعيض عنه أكفأ منه أو من كان على شاكلته أو ألين منه عريكة، يريد عاملا حقيقيا للعمل لا عملا لعامل يرزقه، يتطلب عاملا إذا عرضت له المعضلات أن يفتق له وجه الحيلة ما يتوجه له فيه وجه. أوعز زياد إلى والي خراسان أن يصطفي لمعاوية الصفراء والبيضاء فلا يقسم في الناس ذهبا ولا فضة؛ عملا بكتاب ورد عليه من الخليفة. فكتب والي خراسان إلى زياد: بلغني ما ذكرت من كتاب أمير المؤمنين وإني وجدت كتاب الله تعالى قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه والله لو أن السماء والأرض كانتا رتقا

12

على عبد ثم اتقى الله جعل له مخرجا، والسلام. وقسم الفيء بين الناس من الذهب والفضة، ولم ينفذ ما أمر به الخليفة من أمر يجحف بأرباب الاستحقاق في العطاء من الجند والعمال؛ ذلك لأنه رأى في ولايته ما لم يره الخليفة ولا عامله الأكبر زياد. وهذا مما يشعر بما كان للعامل الأمين في عهد معاوية من الحرية فيما يرتئيه لإصلاح عمله. والإدارة في قطر قد لا تصلح لقطر آخر، والحاضر يرى ما لا يراه الغائب.

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ٢٨