1
خلالها بالسياسة، واتسع أمامه أفق جديد من النظر، فأدهش من تولى أمره بحلمه وعلمه وثاقب رأيه وفرط دهائه، وكان أبوه من قبل يعالج شئون الناس ويتألفهم ويعرف ما يصلحهم، وعنه أخذ شيئا في هذا المعنى، والناشئ في مثل هذه الأعمال يتحنك في الإدارة، ويكون إماما في صناعته.
حافظ معاوية على أصول الرسول والراشدين في الإدارة، وما حاد عنها إلا فيما قضت به المصلحة، ودعا إليه المحيط الجديد، مثل إخراج الإدارة من سذاجة البداوة إلى بحبوحة الحضارة، وعرف فوائد الشورى فما كان يصدر في المهمات إلا عن مشورة، فهو يرى من الطبيعي أن يأخذ بآراء أشراف القوم، وينزل على حكم وفود
2
البلاد، وله ولآل بيته مجالس يعقدونها في المسجد الجامع، تدور أبحاثها على سياسة البلاد وحكمها في الأكثر، ومجالس الأمويين أشبه بمجالس النواب والشيوخ والولايات، وما كان الأمويون إلى الاستبداد بالرأي في معظم حالاتهم، ولا سيما فيما له مساس بإصلاح الراعي والرعية.
كان معاوية يفض مشاكله بالحسنى، يلين للناس، ويشفع المجاملة بالإحسان، يوليه كل ناب
3
نابه في قومه، سيد مسود في أهله، ولا تلين قناته لمن يحاول قلب الخلافة وإخراجها عن بيته بعد أن آلت إليه، وما كان مع من يظلم رعاياه إلا شديدا، ويستميل القلوب بالعطاء وبالإقناع أو بالإغضاء أو بالمجادلة بالتي هي أحسن، وبلغ من سعة الصدر ووافر الحلم أن ضرب المثل بحلمه، وكان إذا لم تنجع في الناس وسائله اللينة، يعمد بعد التماس كل حيلة إلى القوة، وهو القائل: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. وقيل: وكيف ذاك؟ قال: كنت إذا مدوها خليتها، وإذا خلوها مددتها. وقال: إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا. ومن المستحيل كم
4
الأفواه أو تنطق بما يراد، ورضا الناس غاية لا تدرك. فما دام الأمر يفض بالكلام، ولا يقوم رجل جد يقلقل أمر الجماعة فالعالم أحرار في أقوالهم، ومتى لجئوا إلى القوة وتطالوا إلى الفتنة انكفأ عليهم بقوته، وما برحت همته منذ تولى الحكم مصروفة إلى سياسة الدولة، وما عدا ذلك فالناس وما يختارون من الآراء والمذاهب، وهو يستشير أرباب الرأي من أنصار دولته، ولا يأتمن في إدارة الولايات والأعمال إلا الكفاة من آل بيته، فإذا اتفق أن كان فلا ينزع إلى كذا أو يحب فلانا من خصومه أو يغلظ في بيان رأي يخالفه، فهذا مما لا يتعلق به كبير أمر عنده.
فالسياسة هي كل ما حصر فيه معاوية وكده، ومن أجل توطيد دعائمها لجأ إلى طرق في الدعوة مؤثرة، فجعل القصاص أو الوعاظ في المساجد والمعسكرات يدعون لدولته، وينفرون من أعدائها، وذلك لما رأى عليا
5
عند منصرفه من صفين قنت في الصلاة ودعا على من خالفه. فوقع في نفس معاوية أن يعامل عليا بالمثل، وأمر من يقص بعد الصبح وبعد المغرب أن يدعو له ولأهل الشام، وحمل الأمصار على احتذاء مثاله في عاصمته، فأحدث قصص الخاصة، عهد بها إلى رجال يهتمون بسلطانه. وظل قصاص العامة يجتمع إليهم النفر من الناس يعظونهم ويذكرونهم، ويقصون عليهم ما يرق قلوبهم، وكان القصاص إذا سلم الإمام من صلاة الصبح جلس فذكر الله وحمده ومجده وصلى على نبيه، ودعا للخليفة ولأهله ولأهل بيته وجنوده، وعلى أهل حربه وعلى الكفار كافة. ومن القصاص من كانوا يرفعون أيديهم في قصصهم كما كان سليم بن عتر قاص الجند زمان عمرو بن العاص.
ويقول من أمعنوا في درس تاريخ معاوية أن دعوى سنه لعن علي
6
عقبى كل خطبة
7
لم يقم عليها دليل ثابت يركن إليه، وما من أثر يدل على أن هذا اللعن تقدم مروان بن الحكم، وبذلك يبرأ معاوية من هذه الوصمة، وجلب لعن الأمويين عليا من
8
البغضاء المستترة أكثر مما نالهم من الفائدة الحقيقية، كما أخطأ معاوية بإطلاق يد زياد في سياسة القمع في العراق على صورة هائلة تخالف ما كانت عليه سياسة معاوية من اللين، وكان عليه أن يطبق بنفسه هذه السياسة مباشرة، وانتشر لعن الطالبيين للأمويين ولعن الأمويين للطالبيين في كل مكان، وقد لعن الأمويون عليا على منابرهم نحو ألف شهر، ولم تبطل هذه البدعة السيئة إلا في عهد عمر بن عبد العزيز، استعاض عنها بآية: