صلى الله عليه وسلم
سيوف أخرى منها سيفه على أهل الردة وهو الذي قال فيه: «من بدل دينه فاقتلوه.» وقد سله أبو بكر من بعده في خلافته على من ارتد من قبائل العرب، ومنها: سيفه على المارقين وهم أهل البدع كالخوارج، وروي عن علي أن النبي أمر بقتال المارقين والناكثين والقاسطين، وقد حرق علي طائفة من الزنادقة فصوب ابن عباس قتلهم، وأنكر عليه تحريقهم بالنار فقال علي: ويح ابن عباس لبحاث عن الهنات.
وقالوا: إن
93
عليا كان يقسم ما في بيت المال كل جمعة حتى لا يترك فيه شيئا، ودخل مرة إلى بيت المال فوجد الذهب والفضة فقال: يا صفراء اصفري، ويا بيضاء ابيضي وغري غيري، لا حاجة لي فيك. وانتهى إليه أن أحد عماله يفرق ويهب الأموال وكان عليها، ولامه أن قسم فيء المسلمين في قومه ومن اعتراه من السألة والأحزاب وأهل الكذب من الشعراء كما يقسم الجوز. فأجابه عامله أنه منذ ولي العمل لم يرزأ من عمله دينارا ولا درهما ولا غيرها، وأن العزل أهون عليه من هذه التهمة. وقال علي: لئن بقيت لنصارى بني تغلب لأقتلن المقاتلة ولأسبين الذرية، فإني كتبت الكتاب بينهم وبين رسول الله على أن لا ينصروا أولادهم. ورأى علي دارا للقاضي شريح عمرها فقومت عليه بثمانين دينارا فوعظه وبكته ضمنا مع أنه كان يرزق خمسمائة درهم، وكان يقبل الهدية ويكافئ بمثلها، وهو من أكبر قضاة الصدر الأول.
ومن مجموع هذه الفقرات من كتب علي بن أبي طالب عرفنا منزعه في تدبير الملك، وشدته على من يطيل يده بالأذى إلى الرعية وإلى أموال الدولة، وكان هديه هدي أصحابه الثلاثة من قبل، ولكن التوفيق أخطأه، استغرقت الفتن أيامه، أكثر من التنظيم والإدارة، وفقد الاستقرار في البلاد للنزاع الذي قام بينه وبين خصومه. قال الجاحظ: لا يعلم رجل في الأرض متى ذكر السبق في الإسلام والتقدم فيه، ومتى ذكرت النخوة والذب عن الإسلام، ومتى ذكر الفقه في الدين، ومتى ذكر الزهد في الأمور التي يتناصر الناس عليها، كان مذكورا في هذه الخلال كلها إلا علي.
ومما يعد من خطيئاته الإدارية: مبادرته إلى عزل جميع عمال عثمان، ولم يتربص بالأمر وصول البيعة إليه من أهل الأمصار،
94
ولم يصخ إلى تحذير المحذرين، ولا نصح الناصحين، بل أبى من الإبقاء عليهم أو أحدا منهم إباء تاما كأنه قد وقر في نفسه أن هؤلاء العمال لا يصلحون لأن يلوا شيئا من أمر المسلمين، وأن الإبقاء على واحد منهم يوما كاملا نقص في دينه، ولو أنه اتأد في الأمر، وعالجه برفق وأناة، واصطبر حتى استتب له الأمر وبايعه أهل الأمصار لما كان في عزل الولاة شيء؛ لأن الخليفة هو الذي يعطي الولاة سلطانهم، فهو حر في اختيار عماله. ولما طالبه أصحاب الرسول بإقامة الحد على من شرك في دم عثمان بين لهم أن القوم الذين في أيديهم دم عثمان يملكون أهل المدينة وأهل المدينة لا يملكونهم، وقد ثارت إليهم العبدان وفاءت إليهم الأعراب، وبأيديهم الحول والطول بالمدينة، وأهلها لا يقدرون منهم على شيء، وطلب إليهم إنظاره حتى تهدأ الحال، ويتمكن من أخذ المجرمين بذنوبهم.
ومن عماله: عبد الله بن عباس، وكان واليه على البصرة، وإليه الصدقات والجند والمعاون، وقثم بن العباس، وعبيد الله بن عباس، وأبو الأسود الدؤلي، وسهل بن حنيف وغيرهم.
| هوامش
| إدارة الأمويين
الإدارة على عهد معاوية بن أبي سفيان
ما عرفت للحسن بن علي طريقة في الإدارة؛ لأنه لم يطل أمره غير بضعة أشهر وذلك في العراق والحجاز، أما سائر الأقطار فكانت في يد معاوية، ولكن عبد الله بن عباس من أعظم أنصار علي كتب إلى الحسن أن يولي أهل البيوتات والشرف يستصلح بهم عشائرهم حتى تكون الجماعة؛ فإن بعض ما يكره الناس ما لم يتعد الحق، وكانت عواقبه تدعو إلى ظهور العدل وعز الدين، خير من كثير مما يحبون، إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور ووهن الدين. حتى إذا كان عام الجماعة، ونزل الحسن عن الخلافة، وأجمع المسلمون على استخلاف معاوية (41ه) التفت هذا إلى سياسة الملك بحزم شديد وعزم أكيد، وقد كان من قبل يسوس الناس تحت سلطان أعظم من سلطانه، فأصبح يسوسهم بسلطانه مباشرة، ولا يطلب منه حساب لغير نفسه وديانه. وساعد معاوية على حسن إدارة الملك سابقة له من تجربة طويلة، ابتدأت منذ كان كاتب وحي رسول الله يشهد روعة الرسالة، ويأخذ من البيئة النبوية، فتثقف على أتم ما يكون من الكمال، ورأى منه أبو بكر وعمر ما رآه منه صاحبهما من الغناء فولي الشام عشرين سنة تمرس