تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39

بهم فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم عنه.»

ومع هذه الهيمنة من عمر على عماله نراه يشهد لعمرو بن العاص بحسن السياسة دليلا على تقديره عامله قدره، وكان من رأي عمرو بن العاص في سياسة مصر أن الذي يصلح هذه البلاد وينميها، ويقر قاطنيها فيها، ألا يقبل قول خسيسها في رئيسها، ولا يستأدى خراج ثمرة إلا في أوانها. وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وتربتها، وكان عمر يقول إذا رأى رجلا يتلجلج في كلامه: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد. وعمرو بن العاص المثل السائر في حسن السياسة بين رجال العرب، دهش قبط مصر بجميل عمله، فدخلوا في الإسلام كثيرا، وأدى به التسامح أن رفع رجل نصراني إليه أن غرفة بن الحارث الكندي من أصحاب الرسول الذين سكنوا مصر ضربه فوق أنفه، فقال عمرو للصحابي: إنا قد أعطيناهم العهد. كأنه يريد أن يؤاخذ الصحابي بما فعل، فقال غرفة: معاذ الله أن نعطيهم العهد على أن يظهروا شتم النبي، وإنما أعطيناهم العهد على أن نخلي بينهم وبين كنائسهم يقولون فيها ما بدا لهم، وأن لا نحملهم ما لا يطيقون، وإن أرادهم عدو بسوء قاتلنا دونهم، وعلى أن نخلي بينهم وبين أحكامهم إلا أن يأتونا راضين بأحكامنا فنحكم بينهم وإن عيبوا عنا لم نتعرض لهم. فقال عمرو: صدقت. خطب يوما في الجابية من حوران فمما قاله: ألا وإني ما وجدت صلاح ما ولاني الله إلا بثلاث: أداء الأمانة، والأخذ بالقوة، والحكم بما أنزل الله، ألا وإني ما وجدت صلاح هذا المال إلا بثلاث: أن يؤخذ من حق، ويعطى في حق، ويمنع من باطل. كتب معاوية إلى عمر يصف له سوء حال الشام فكتب إليه في مرمة حصونها وترتيب المقاتلة فيها، وإقامة الحرس على مناظيرها واتخاذ المواقيد

40

لها.

جاء عمر الشام مرات أربعا يكشف حال عمالها، ويعنى بقسمة الأرزاق، ويسمي الشواتي والصوائف أي غزوات الشتاء والصيف، ويسد الفروج والمسالح

41

في كل كورة، ويستعمل أناسا على السواحل من كل كورة أو يقسم المواريث بعد طاعون عمواس، وكان هلك فيه من المسلمين خمسة وعشرون ألفا. وقيل إن عماله استقبلوه مرة بأبهة فنزل وأخذ بالحجارة ورماهم بها، وقال: ما أسرع ما رجعتم عن رأيكم إياي؛ تستقبلون في هذا الزي، وإنما شبعتم منذ سنتين! وبالله لو فعلتم هذا على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم. واعتذر له معاوية عامله في الشام عن الموكب الثقيل الذي كان له قائلا: إنا في بلاد لا تمتنع فيها من جواسيس العدو فلا بد لهم مما يرهبهم من هيبة السلطان فإن أمرتني بذلك قمت عليه، وإن نهيتني عنه انتهيت. فلم يأمره به ولم ينهه عنه. فقال عبد الرحمن بن عوف لعمر: لحسن ما صدر من هذا الفتى عما أوردته فيه فقال: لحسن مصادره وموارده جشمناه ما جشمناه. وقيل: إنه قدم معاوية على عمر من الشام

42

وهو أبض

43

الناس، فضرب عمر بيده على عضده فأقلع عن مثل الشراب أو مثل الشراك فقال: هذا والله لتشاغلك بالحمامات، وذوو الحاجات تقطع أنفسهم حسرات على بابك. وقال عمر: لئن عشت - إن شاء الله - لأسيرن في الرعية حولا فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع عني، أما هم فلا يصلون إلي، وأما عيالهم فلا يرفعونها إلي، فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين.

وخصلة أخرى أيضا لعمر، تعد من بدائع إدارته الحسنة، وهو أنه ما كانت تفوته مسألة فيها تقوية قلوب الأمة والاعتماد على نفسها خطب مرة فقال: «أعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إلي؛ فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة، وأنا حبيب إلي صلاحكم، عزيز علي عتبكم، وأنتم أناس عامتكم حضر في بلاد، وأهل بلد لا زرع فيه ولا ضرع إلا ما جاء الله به إليه.» يريد أن يعلم الناس أن لا يكثروا من الرجوع إلى الحاكم للفصل بينهم في خصوماتهم؛ ليصرف وقته في التفكير في أمورهم الخطيرة، وأن يعتمدوا على أنفسهم لا على صاحب السلطان، وأن يعرفهم حالة الحاضر والبادي منهم، ويعلمهم أن يعملوا ولا يسرفوا لأنهم فقراء. ولطالما قال لقومه أصلحوا أموالكم التي رزقكم الله، ولقليل في رفق خير من كثير في عنف. يريد أن يسوق الناس إلى المدنية بتؤدة على صورة فيها تدريج. وكان يقول: من كان له مال فليصلحه، ومن كانت له أرض فليعمرها، وإنه يوشك أن يجيء من لا يعطي إلا من أحب. ونظر إلى رجل مظهر للنسك متماوت فخفقه بالدرة وقال له: لا تمت علينا ديننا أماتك الله. وكان يقول: ليس قوم أكيس من أولاد السراري؛ لأنهم يجمعون عز العرب ودهاء العجم.

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ١٧