36
بحجارة وجص فقال: لمن هذا؟ فذكروا عاملا له على البحرين فقال: أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها! وشاطره ماله، وكان يقول: لي على كل خائن أمينان الماء والطين.
ولقد صادر عمر عامله على مصر عمرو بن العاص؛ لأنه فشت له فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان لم تكن له حين ولي مصر، فادعى عمرو أن أرض مصر أرض مزدرع ومتجر، وأنها أثمان خيل تناتجت، وسهام اجتمعت، وأنه يصيب فضلا عما يحتاج إليه لنفقته، ومع ذلك قاسمه عمر ماله. وصادر أبا هريرة عامله على البحرين؛ لأنه اجتمعت له عشرة آلاف وقيل عشرون ألفا، وادعى أن خيله تناسلت، وسهامه تلاحقت، وأنه اتجر، فقال له عمر: انظر رأس مالك ورزقك فخذه، واجعل الآخر في بيت المال. يريد بذلك أن يحصر العامل وكده في خدمة أهل عمله، أما الاتجار وتثمير الأموال فهذا ليس من شأن عمال الدولة؛ فإن لهؤلاء ما يتبلغون به من رزق. وكان يرى في مصادرة العمال وقهرهم ترويضا لهم على الطاعة وترك التبجح والإدلال على الرعية، وممن شاطرهم أيضا النعمان بن عدي عامله على ميسان، ونافع بن عمرو الخزاعي عامله على مكة، ويعلى بن منية عامله على اليمن، وسعد بن أبي وقاص عامله على الكوفة، وخالد بن الوليد عامله في الشام، وآخذ خالد بن الوليد؛ لأنه أمره أن يحبس المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس وذا الشرف وذا اللسان فأجاز الأشعث لشعره؛ فغضب عمر، وكان أحد الشعراء كتب إليه يقول:
نحج إذا حجوا ونغزو إذا غزوا
فأنى لهم وفر ولسنا بذي وفر
إذا التاجر الهندي جاء بفأرة
من المسك راحت في مفارقهم تجري
فدونك مال الله حيث وجدته
سيرضون إن شاطرتهم منك بالشطر
فشاطرهم عمر أموالهم وتولى ذلك منهم محمد بن مسلمة لثقته به
37
ولم ينتطح في عمله عنزان. شاطر عمر سعدا وعمرا وخالدا وهم ممن يفتخر بهم الإسلام، استكثر عليهم أن ينعموا وإن كان الأول فاتح العراق والثاني فاتح مصر والثالث فاتح الشام.
وقيل لعمر: إن عياض بن غنم - وهو من كبار الفاتحين ورجال الإدارة في حكومته - يتوسع كثيرا في إعطاء المال بحيث لا يقل في هذا المعنى عن خالد بن الوليد، فقال: إن ذلك من شأن أبي عبيدة، وعياض من أقرباء أبي عبيدة. وعياض بن غنم هذا جلد صاحب دارا حين فتحت فأغلظ له هشام بن حكيم القول حتى غضب عياض، ثم مكث ليالي فأتاه هشام فاعتذر إليه، ثم قال هشام لعياض: ألم تسمع رسول الله يقول: «إن من أشد الناس عذابا أشدهم للناس عذابا في الدنيا.» فقال عياض: قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت، أولم تسمع رسول الله يقول: «من أراد أن ينصح لذي سلطان عامة فلا يبد له علانية ولكن ليخل به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه.» وإنك يا هشام لأنت الجريء إذ تجترئ على سلطان الله فهلا خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل سلطان الله.
كان عمرو بن العاص يبعث إلى عمر بالمال
38
بعد حبس ما كان يحتاج إليه، والمال يجبى من أموال الجزية وما يؤخذ من الخراج، وكان النصارى واليهود أقروا على ما في أيديهم من الأرض يعمرونها ويؤدون خراجها. ووضع في مصر عمر على كل حالم دينارين جزية إلا أن يكون فقيرا، وألزم كل ذي أرض مع الدينارين ثلاثة أرادب حنطة وقسطي زيت وقسطي عسل وقسطي خل رزقا للمسلمين تجمع في دار الرزق وتقسم فيهم. وأحصى عمرو بن العاص المسلمين فألزم جميع أهل مصر لكل رجل منهم جبة صوف وبرنسا أو عمامة وسراويل وخفين في كل عام أو بدل الجبة الصوف ثوبا قبطيا. واستبطأ عمر في بعض السنين خراج مصر فكتب إلى عمرو: «أما بعد، فإني فكرت في أمرك والذي أنت عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيقة، وقد أعطى الله أهلها عددا وجلدا وقوة في بر وبحر، وأنها قد عالجها الفراعنة، وعملوا فيها عملا محكما مع شدة عتوهم وكفرهم، فعجبت من ذلك، وأعجب مما عجبت أنها لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحوط ولا جدوب ...» إلى آخر ما قال له، وهز أعصابه بكلمات قاسية، فأجابه عمرو: «لقد عملت لرسول الله ولمن بعده فكنا بحمد الله مؤدين لأمانتنا حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا، نرى غير ذلك قبيحا، والعمل به سيئا ...» وقال: «فامض في عملك فإن الله قد نزهني عن تلك الطعم الدنية والرغبة فيها.» فكتب إليه: «إني لم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك، ولكني وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج وحسن سياستك، فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل الخراج فإنما هو فيء المسلمين، وعندي من قد تعلم قوم محصورون ...» فأجابه عمرو: «إن أهل الأرض استنظروني إلى أن تدرك غلتهم فنظرت للمسلمين فكان الرفق خيرا من أن نخرق