وكان غرام عمر أبدا أن يلقن قومه العمل ويبعد بهم عن حياة الكسل، ولطالما قال لكتابه وعماله: إن القوة على العمل أن لا تؤخروا عمل اليوم لغد، فإنكم إذا فعلتم ذلك تذاءبت
44
عليكم الأعمال فلا تدرون بأيها تبدءون ولا بأيها تأخذون. وما كان يرى إبعاد العامة عن المجالس العالية؛ لئلا تفوتهم الفوائد، وليتربوا على أيديهم بما يسمعون وينقلون عنهم، ويوزع الأعمال بين الكفاة وأرباب التخصص، ويقول: أيها الناس من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني له خازنا وقاسما.
وكتب عمر الناس على قبائلهم أي أحصاهم، ففرض الفروض وأعطى العطايا على السابقة، بدأ بالأقرب فالأقرب من الرسول، وفرض لأهل بدر ولمن بعدهم إلى الحديبية وبيعة رضوان، ثم لمن بعدهم، ولأهل القادسية واليرموك، وأعطى نساء النبي وغيرهم، ورزق الصبيان والأئمة والمؤذنين والمعلمين والقضاة والشعراء. وحلف على أيمان ثلاث فقال: والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد وما أنا أحق به من أحد، والله ما من المسلمين من أحد إلا وله في هذا المال نصيب إلا عبدا مملوكا، ولكنا على منازلنا من كتاب الله تعالى، وقسمنا من رسول الله، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه.
جمع عمر المسلمين لأول عهده، وقال: ما يحل للوالي من هذا المال؟ فقالوا جميعا: أما لخاصته فقوته وقوت عياله، لا وكس ولا شطط، وكسوتهم وكسوته للشتاء والصيف، ودابتان إلى جهاده وحوائجه وصلاته وحجه وعمرته، والقسم بالسوية، وأن يعطي أهل البلاء على قدر بلائهم، ويرم أمور الناس بعد، ويتعاهدهم عند الشدائد والنوازل حتى تنكشف، ويبدأ بأهل الفيء. وكان عمر إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه فربما عسر فيأتيه صاحب بيت المال فيتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه. وطلب من أحد أصحابه أن يقرضه مالا، فقال له: ما يمنعك أن تقترض من بيت المال؟ فأجابه: إنه إذا مات وهو له مدين ربما غفلوا عن تقاضي ما اقترض، أما صاحبه فإنه لحرصه على ماله يطالب الورثة بماله فيستوفيه وتبرأ ذمة عمر.
ومما تعلقت به همة عمر: إحداث أوضاع جديدة اقتضتها حالة التوسع في الفتوح؛ فهو أول من حمل الدرة
45
وهو أول من دون الدواوين على مثال دواوين الفرس والروم، دونها له عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، وكانوا من نبهاء قريش لهم علم بالأنساب وأيام الناس. والديوان الدفتر أو مجتمع الصحف والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية. وعرفوا الديوان بأنه موضع لحفظ ما تعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال، وأطلق بعد حين على جميع سجلات الحكومة وعلى المكان الذي يجلس فيه القائمون على هذه السجلات والأضابير والطوامير. وثبت أنه كان له سجن
46
وأنه سجن الحطيئة على الهجو، وسجن ضبيعا على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات وشبههن، وضربه مرة بعد مرة ونفاه إلى العراق، وكتب أن لا يجالسه أحد فلو كانوا مائة تفرقوا عنه حتى كتب إليه عامله أن حسنت توبته، فأمره عمر فخلى بينه وبين الناس. وكانت أعمال عمر جدا كلها لا يجوز لأحد أن يجلس في المسجد في غير أوقات الصلاة، وبنى في المسجد رحبة تسمى البطيحا، قال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى الرحبة. وما كان المسجد في أيامه لغير الصلاة والقضاء، وكان الخلفاء الراشدون يجلسون في المسجد لقضاء الخصومات. ولما كثرت الفتوحات وأسلمت الأعاجم وأهل البوادي وكثر الولدان أمر عمر ببناء بيوت المكاتب، ونصب الرجال لتعليم الصبيان وتأديبهم.