تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان عمر على شدة فيه مع عماله إذا أحس باعتداء أو شبه اعتداء وقع على أحدهم يشتد على المعتدين في تلك الناحية؛ ليبقى للعامل هيبة توقره في الصدور، ومهابة يلجم بها العامة والخاصة. وقع له مرة أن حصب

33

أهل العراق إمامهم، وقد كان عوضهم إماما مكان إمام كان قبله فحصبوه، فغضب وقال لأهل الشام: تجهزوا لأهل العراق فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ. ودعا عليهم؛ ذلك لأن شكوى العراقيين عاملهم كانت باطلة، وهو الذي يتحرى في انتقاء عماله ولا يستسلم لأحد منهم، بل يجعل بعضهم رقيبا على بعض، وله عليهم سلطان دونه كل سلطان. شكا عتبة بن غزوان

34

تسلط سعد بن أبي وقاص عليه فسكت عنه عمر، فأعاد عتبة ذلك مرارا، فلما أكثر على عمر قال: وما عليك يا عتبة أن تقر بالإمرة لرجل من قريش له صحبة مع رسول الله وشرف. فقال له عتبة: ألست من قريش والرسول يقول: «حليف القوم منهم.» ولي صحبة مع رسول الله قديمة لا تنكر ولا تدفع؟ فقال عمر: لا ينكر ذلك من فضلك. قال عتبة: أما إذا صار الأمر إلى هذا فوالله لا أرجع إليها أبدا. فأبى عمر إلا أن يرده فرده فمات بالطريق، وهذا من تأثير عمر في عماله ومعاملته لهم كما تريد المصلحة لا كما يريدون. مثال آخر يخالف هذا - والإدارة تختلف باختلاف الأزمان والبلدان - خالف معاوية وهو أمير الشام عبادة بن الصامت في شيء أنكره عبادة فأغلظ له معاوية في القول. فقال عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبدا. ورحل إلى المدينة، فقال عمر: ما أقدمك؟ فأخبره. فقال: ارجع إلى مكانك يفتح الله أرضا لست فيها أنت ولا أمثالك. وكتب إلى معاوية لا إمرة لك عليه. ذلك أن عمر لم يكن يستغني عن خدمة معاوية ولا عن فضل عبادة.

كان عمر وهو خليفة لا يميز نفسه عن جمهور الناس بشيء في لباسه ومركبه وحركته، يختلط بالشعب كأنه واحد منهم، ومع هذا كان الناس يخافونه، ولو وقع مثل هذا التواضع أو التبذل من أحد أفراد الناس؛ لجسروا عليه وضعف سلطانه عليهم إن كان من أرباب السلطان. ولقد كلم الناس عبد الرحمن بن عوف أن يكلم عمر في أن يلين لهم؛ فإنه قد أخافهم حتى إنه أخاف الأبكار في خدورهن. فقال عمر: إني لا أجد لهم إلا ذلك؛ إنهم لو يعلمون ما لهم عندي لأخذوا ثوبي عن عاتقي. وقال عمر: قد ألنا وإيل علينا أي ولينا وولي علينا. معناه قد ولينا فعلمنا ما يصلح الوالي، وولي علينا فعلمنا ما يصلح الرعية.

وما أرانا نبعد عن الصواب إذا حكمنا أن شطرا عظيما من وقت عمر في ولايته كان يصرفه في سياسة العمال، وكشف حالهم، وانتقاء أصلحهم، وتسليكهم في الإدارة والسياسة والقضاء على أسلوب محكم لا تكاد تلحق به في هذا القرن أعرق الدول الحديثة في المدنية وأفضلها بنظمها الإدارية والدستورية. ولعل في الناس من يقول إذا عرضنا هنا لمصادرات عمر، وهذا أيضا من باب الشدة المتناهية والحجر على حرية العمال، وإدخال الخوف عليهم بالضرب على أيديهم على صورة تحرمهم متع الحياة، ولا توليهم منه غير الجفاء والخشونة في المعاملة. نعم، هكذا كان عمر، وهكذا وضع أساس الملك الإسلامي، هو لا يجوز إغناء أفراد بإفقار أمة، ولا إسعاد فئة بإشقاء مجموع. كان ممن يشترون رضا العامة بمصلحة الأمراء،

35

فكان الوالي في نظره فردا من الأفراد، يجري حكم العدل عليه كما يجري على غيره من سائر الناس، فكان حب المساواة لا يعدله شيء في أخلاقه. إذا اشتكى العامل أصغر الرعية جره إلى المحاكمة حيث يقف الشاكي والمشكو منه يسوي بينهم في الموقف حتى يظهر الحق فإن توجه قبل العامل اقتص منه إن كان هناك داع إلى القصاص أو عامله بما تقضي به الشريعة أو عزله. ومن عادة عمر أن يكتب أموال عماله إذا ولاهم، ثم يقاسمهم ما زاد على ذلك وربما أخذه منهم. مر ببناء يبني

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ١٥