29 «وقد بعثت فلانا وأمرته بكذا ...» فلما استعمل حذيفة بن اليمان على المدائن كتب في عهده أن اسمعوا له وأطيعوه وأعطوه ما سألكم. فلما قدم المدائن استقبله الدهاقين، فلما قرأ عهده، قالوا: سلنا ما شئت. قال: أسألكم طعاما آكله وعلف حماري ما دمت فيكم. فأقام فيهم، ثم كتب إليه ليقدم عليه. فلما بلغ عمر قدومه كمن له في الطريق فلما رآه عمر على الحال التي خرج من عنده عليها أتاه فالتزمه وقال: أنت أخي وأنا أخوك.
فعمر إذا لم يختر للأعمال إلا أفاضل الرجال ممن كانوا على سمته وزهده. وكان كثيرا ما يستعمل قوما ويدع أفضل منهم لبصرهم بالعمل، ويقول: أكره أن أدنس هؤلاء بالعمل. وكان يشاور
30
في كثير من الوقائع حتى قال يوما لأصحابه أشيروا علي ودلوني على رجل أستعمله في أمر قد دهمني، فقولوا ما عندكم، فإني أريد رجلا إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه واحد منهم. فقالوا: نرى لهذه الصفة الربيع بن زياد الحارثي فنشير على أمير المؤمنين به، فأحضره وولاه، فوفق في عمله، وقام فيه بما أربى على رجاء عمر فيه وزاد على عمله، فشكر عمر من أشاروا عليه بولاية الربيع.
كتب إلى عامله على البحرين العلاء بن الحضرمي أن سر إلى عتبة بن غزوان فقد وليتك عمله، واعلم أنك تقدم على رجل من المهاجرين الأولين الذين سبقت لهم من الله الحسنى، وإني لم أعزله ألا يكون عفيفا صليبا شديد البأس، ولكن ظننت أنك أغنى عن المسلمين في تلك الناحية؛ فاعرف له حقه. ولما سير عمر عتبة بن غزوان إلى البصرة ليقاتل من بالأبلة من فارس قال له: انطلق أنت ومن معك حتى تأتوا أقصى مملكة العرب وأدنى مملكة العجم. وأمره أن يشاور عرفجة بن هرثمة؛ لأنه ذو مجاهدة للعدو وذو مكايدة، وعزل عن بعض ولاية الشام شرحبيل بن حسنة، واستعمل بدلا منه معاوية بن أبي سفيان، واعتذر على رءوس الأشهاد أنه لم يعزله عن شيء هجنه به بل أراد رجلا أقوى من رجل. وبعث المغيرة بن شعبة عاملا على الكوفة لأنه قوي شديد، وكان عمر سأله عن الضعيف والقوي، فقال: أما الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين وفضله له، وأما القوي المشدد فقوته لك وللمسلمين وشداده عليه. وعزل عامله على ميسان النعمان بن عدي؛ لأنه بلغه أنه قال أبياتا في التشبيب تشير إلى أنه يتعاطى الراح، مع أنه عارف بأن ذلك لم يكن وإنما هو قول شاعر. وعزل زياد بن أبي سفيان فقال زياد: أعن عجز عزلتني يا أمير المؤمنين أم عن خيانة؟ فقال: لا عن ذاك ولا عن هذا، ولكني كرهت أن أحمل على العامة فضل عقلك. وكتب إلى سعد بن أبي وقاص أن شاور طلحة الأسدي وعمرو بن معدي كرب في أمر حربك، ولا تولهما من الأمر شيئا، فإن كل صانع هو أعلم بصنعته. وكتب إلى النعمان
31
بن مقرن أن قبلك رجلين هما فارسا العرب عمرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد فشاورهما في الحرب ولا تولهما شيئا من الأمر. وبعث مع أبي عبيد بن مسعود سليط بن قيس لفتح العراق، وقال له: لولا عجلة فيك لوليتك، ولكن الحرب زبون لا يصلح لها إلا الرجل المكيث.
وسأل عمر عمرو بن معدي كرب عن خبر سعد بن أبي وقاص نفسه فقال: متواضع في حبائه، عربي في نمرته، أسد في تأموره،
32
يعدل في القضية ، ويقسم بالسوية، ويبعد في السرية، ويعطف علينا عطف الأم البرة، وينقل إلينا حقنا نقل الذرة. ولما شكا أهل الكوفة سعدا عزله عمر ولم تأخذه به هوادة؛ لأن الغاية إنفاذ العمل النافع للناس على يد أي كان من عماله، وأن لا يفتح للمسلمين بابا للشكوى. وخير ضروب السياسة أن يكون عمل العاملين فيها أكثر من قول القائلين، وسعد هذا هو الذي كان أجمع الصحابة على توسيد حرب العراق إليه، فأوصاه عمر بقوله: يا سعد سعد بني وهيب، لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله وصاحب رسول الله، فإن الله - عز وجل - لا يمحو السيئ بالسيئ ولكنه يمحو السيئ بالحسن، وليس بين الله وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت النبي منذ بعث إلى أن فارقنا فالزمه فإنه الأمر. هذه عظتي إليك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين. وذهب سعد بهذه النصيحة فكان على يده فتح العراق.