تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24

فجأة مدهنا حسن الحال في جسمه عليه بردان فقال له عمر: أهكذا وليناك؟ ثم عزله، ودفع إليه غنيمات يرعاها، ثم دعا به بعد مدة فرآه باليا أشعث في ثوبين أطلسين

25

وذكر عند عمر بخير فرده إلى عمله، وقال: كلوا واشربوا وادهنوا فإنكم تعلمون الذي تنهون عنه.

وكان إذا قدم عليه الوفد سألهم عن حالهم وأسعارهم، وعمن يعرف من أهل البلاد وعن أميرهم هل يدخل إليه الضعيف؟ وهل يعود المريض؟ فإن قالوا نعم، حمد الله تعالى، وإن قالوا لا، كتب إليه: أقبل. وكان من سنة

26

عمر وسيرته أن يأخذ عماله بموافاة الحج في كل سنة للسياسة وليحجرهم بذلك عن الرعية، وليكون لشكاتهم وقت وغاية ينهونها إليه. كتب إلى أبي موسى الأشعري: «أما بعد؛ فإن للناس نفرة فأعوذ بالله أن تدركني وإياك عمياء مجهولة، وضغائن محمولة، أقم الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمران أحدهما لله والآخر للدنيا، فآثر نصيبك من الله فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى، وأخيفوا الفساق واجعلوهم يدا يدا ورجلا ورجلا، وعد مرضى المسلمين، واشهد جنائزهم، وافتح لهم بابك، وباشر أمورهم بنفسك، فإنما أنت رجل منهم غير أن الله جعلك أثقلهم حملا، وقد بلغني أنه فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمسلمين مثلها، فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة البهيمة مرت بواد خصيب فلم يكن لها هم إلا السمن وإنما حتفها في السمن، واعلم أن العامل إذا زاغ زاغت رعيته، وأشقى الناس من شقي الناس به، والسلام.» وهذا من كتبه الممتعة في الإدارة وطريقته فيها.

وبلغ عمر أن أبا عبيدة عامله في الشام يسبغ على عياله، وقد ظهرت شارته، فنقصه من عطائه الذي كان يجري عليه، ثم سأل عنه فقيل له قد شحب لونه، وتغيرت ثيابه، وساءت حاله، فقال: يرحم الله أبا عبيدة ما أعف وأصبر. فرد عليه ما كان حبس عنه وأجراه عليه، ودخل عمر منزل أبي عبيدة فلم ير إلا لبدا وصحفة وشنا، وسأله طعاما فأخرج له من جونة

27

كسيرات فبكى عمر، وقال: غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة. وأرسل إليه أربعمائة دينار، وسأل من أرسله أن يقف على ما يفعل بها فوزعها أبو عبيدة كلها، وأرسل مثلها إلى معاذ بن جبل فوزعها إلا أشياء قليلة سألته امرأته إياها لحاجتها. فقال عمر لما أخبر بذلك: الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا.

وكان معظم عمال عمر على غرار أبي عبيدة ومعاذ من التقشف والتبلغ باليسير، وكان إذا لم تقنع نفسه بحسن سيرهم على الصورة التي لا يرى غيرها لا يتلكأ عن عزلهم. فقد شكا أهل حمص عاملهم سعيد بن عامر، وسألوه عزله؛ لأنه لا يخرج للناس حتى يرتفع النهار، ولا يجيب أحدا بليل، وله في الشهر يوم لا يخرج فيه، فلما أيقن عمر أن عامله يعجن كل يوم خبزه ويجلس حتى يختمر فيخبزه، ثم يخرج للناس، وأنه يجعل الليل كله للعبادة، وأنه يشتغل مرة في الشهر بغسل ثيابه، بعث إليه عمر ألف دينار يستعين بها، فوزعها على جيش من جيوش المسلمين.

وقدم سعيد بن عامر على عمر بالمدينة فلم ير معه إلا عكازا وقدحا فقال له عمر: ليس معك إلا ما أرى؟ فقال له سعيد: ما أكثر من هذا، عكاز أحمل عليه زادي وقدح آكل فيه. وكان من عماله عمير بن سعد

28

وفيه يقول عمر: وددت لو أن لي رجلا مثل عمير بن سعد أستعين به على أعمال المسلمين. وعمير هذا هو الذي قال على منبر حمص: «لا يزال الإسلام منيعا ما اشتد السلطان، وليس شدة السلطان قتلا بالسيف ولا ضربا بالسوط، ولكن قضاء بالحق وأخذا بالعدل.» وهذا من أبعد مرامي الإدارة العادلة إذا أحس أهل عمل من عاملهم العدل لا يحتاج في سياستهم إلى شيء من الشدة. كتب عمر إلى عمير أيام كان عمله على حمص: «أقبل بما جبيت من فيء المسلمين.» فسأله عمر عما عمله قال: بعثتني حتى أتيت البلد فجمعت صلحاء أهلها فوليتم جباية فيئهم، حتى إذا جمعوه وضعته مواضعه، ولو نالك منه شيء لأتيتك به. قال فما جئتنا بشيء؟ قال: لا. قال: جددوا لعمير عهدا. فقال عمير: لا عملت ولا لأحد بعدك، والله ما سلمت بل لم أسلم، لقد قلت لنصراني أي أخزاك الله. فهذا ما عرضتني له يا عمر، وإن أشقى أيامي يوم خلقت معك يا عمر. وكان إذا استعمل عاملا كتب عهده:

الإدارة الإسلامية في عز العرب · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإدارة الإسلامية في عز العربص ١٣