| هوامش
الفصل الخامس
| عمران الأندلس
في أرض أندلس تلتذ نعماء
ولا يفارق فيها القلب سراء
وليس في غيرها بالعيش منتفع
ولا تقوم بحق الإنس صهباء
وأين يعدل عن أرض يحض بها
على الشهادة أزواج وأبناء
وأين يعدل عن أرض تحث بها
على المدامة أمواه وأفياء
وكيف لا يبهج الأبصار رؤيتها
وكل روض بها في الوشي صنعاء
أنهارها فضة والمسك تربتها
والحز روضتها والدر حصباء
وللهواء بها لطف يرق به
من لا يرق وتبدو منه أهواء
ليس النسيم الذي يهفو بها سحرا
ولا انتثار لآلي الطل أنداء
وإنما أرج الند استثار بها
في ماء ورد فطابت منه أرجاء
وأين يبلغ منها ما أصنفه
وكيف يحوي الذي حازته أحصاء
قد ميزت من جهات الأرض حين بدت
فريدة وتولى ميزها الماء
دارت عليها نطاقا أبحر خفقت
وجدا بها أو تبدت وهي حسناء
لذاك يبسم فيها الزهر من طرب
والطير يشدو وللأغصان إصغاء
فيها خلعت عذاري ما بها عوض
فهي الرياض وكل الأرض صحراء
ابن سفر المريني
كانت شبه جزيرة إسبانيا في عمرانها قبل الفتح العربي منحطة عن عامة الممالك الأوروبية. حكمها الرومان وكانوا من خير من شاد بنيانا، وأقام في المعمور عمرانا، ومع هذا لم ينلها من عنايتهم كبير أمر، فلما جاء العرب الفاتحون في العقد الأخير من المائة الأولى كان عهدهم الأول عهد الفتوح على نحو ما كان عهدهم في الشام قلما التفتوا فيه إلى تجويد البناء حتى إذا ورد على الأندلس من الشرق بل من دمشق عبد الرحمن الداخل الأموي سنة 138ه نقل مع جماعته أسلوب أمته في العمران، وكان سبقه إليها جمهور من الشاميين، نقلوا أسلوب بنائهم وعاداتهم وأصول معاشهم، فاعتمدوا في بناء قصورهم ودورهم على الهندسة الدمشقية في الغالب، وجعلوا في الدور فناء أو صحنا في وسطه بركة ماء، وعلى جانبها الأزهار والأشجار، وتقوم بعض طنوف الطبقة الثانية من البناء على عمد من الرخام وغيره، والدور طبقتان فقط؛ طبقة سفلية للصيف والطبقة العلوية للشتاء، ويدخل إلى الدار من دهليز. رسم خطط هذه الدور بادئ بدء مهندسون من الروم، ثم أصبحت مع الزمن هندسة خاصة للعرب على ما كان شأنهم في الشام.
يقول بعضهم: إن العرب لما وصلوا إسبانيا لم يكن لهم هندسة مخصوصة فقل فيهم كالإسبانيين الإبداع والإيجاد، ولكنهم تفننوا في النقش، وأقدم مصانعهم مسجد قرطبة أنشأه عبد الرحمن الداخل سنة 785م والنقوش فيه والفسيفساء من عمل صناع من الروم، ومن هنا نشأت الصناعة العربية، وتمثلت في المساجد والبيع والقصور والحمامات والأبراج والأبواب الحصينة، ومن أغرب المباني: مسجد طليطلة مثال الهندسة العربية، وقادة منارة مسجد إشبيلية، وكثير من الأرتجة والأبواب، ولما استولى الإسبان على إشبيلية جعل ابن الأحمر غرناطة عاصمته، فقام قصر الحمراء وظهرت بدائعه، وهو أجمل زهرة من زهرات الصنائع النفيسة التي تفتقت أكمامها بأيدي العرب، وظل صناع العرب في إسبانيا قرونا بعد ذهاب دولتهم يعملون في المصانع الإسبانية، ويدخلون في هندستها بعض أساليبهم، فأثروا بها تأثيرا عظيما في الأبنية المبنية على الأسلوب الغوطي والإيطالي (الرنيسانس).
ولقد كان لملوك الأندلس وأمرائها وقوادها وعامة من تولوا خطط الحكم والقضاء والحسبة غرام باستكمال فخامة الملك وتشييد القصور، وجلب المياه، وبناء الأرصفة، وإقامة القلاع والحصون. بدأ بذلك عبد الرحمن الأول، وجرى آل بيته وعظماء مملكته على قدمه في هذا الشأن ومنهم عبد الرحمن بن الحكم (238) الذي كان «أول من جرى على سنن الخلفاء في الزينة والشكل وترتيب الخدمة، وكسا الخلافة أبهة الجلالة فشيد القصور، وجلب إليها المياه، وبنى الرصيف، وعمل عليه السقائف، وبنى المساجد الجوامع بالأندلس، وعمل السقاية على الرصيف، وأحدث الطرز، واستنبط عملها، واتخذ السكة بقرطبة، وفخم ملكه، وفي أيامه دخل الأندلس نفيس الوطاء وغرائب الأشياء»، ومنهم عبد الرحمن بن محمد الذي قال فيه صاحب العقد: «إن الملوك لم تزل تبني على أقدارها، ويقضى عليها بآثارها، وإنه بنى في المدة القليلة، ما لم تبن الخلفاء في المدة الطويلة، نعم لم يبق في القصر الذي فيه مصانع أجداده، ومعالم أوليته، بقية إلا وله فيها أثر محدث؛ إما تزييد، أو تجديد.»