كانت البلاد نسقا واحدا في العمران حتى كان للقرى أيضا نصيب وافر من العناية، ولذلك كثر عددها حتى قالوا: إنه كان على الوادي الكبير فقط أربعة عشر ألف قرية، فكنت على رواية ابن سعيد إذا سافرت من مدينة إلى مدينة لا تكاد تنقطع من العمارة ما بين قرى ومياه ومزارع، والصحاري فيها معدومة أي في القسم الذي تأصل فيه حكم العرب، ومما اختصت له أن قراها في نهاية من الجمال؛ لتصنع أهلها في أوضاعها وتبييضها لئلا تنبو العيون عنها، بل هي طراز من مناظر قد التفت بالبياض والزخرفة تخطف الأبصار، وعند وقوع شعاع الشمس عليها.
لاحت قراها بين خضرة أيكها
كالدر بين زبرجد مكنون
قويت حركة العمران بالطبع حيث كان يقيم الخليفة والسلطان، ولما ابتنى عبد الرحمن بن محمد في غربي قرطبة مدينة الزهراء خط فيها الأسواق، وابتنى الحمامات والحانات والقصور والمتنزهات، واجتلب إلى ذلك بناء العامة، وأمر مناديه بالنداء، ألا من أراد أن يبني دارا أو يتخذ مسكنا بجوار السلطان فله أربعمائة درهم؛ فتسارع الناس إلى العمارة فتكاثفت وتزايدوا فيها، فكادت أن تصل الأبنية بين قرطبة والزهراء والمسافة أربعة أميال.
كان بناء الأندلسيين بالآجر والحجر، وكان الحجر عندهم أنواعا منه الحموي والأحمر والأبيض والمجزع، وكانوا ينحتون السواري والعمد من مقالعهم على الأغلب، وقيل: إن سواري جامع قرطبة جلبت من البيع القديمة من جنوبي فرنسا وإيطاليا ومن إفريقية والآستانة، وسواء قطعت من مقالع الأندلس أو جلبت من القاصية فإن في ذلك فضلا كبيرا للعرب يدل على معرفتهم الأشياء الحسنة، وقدرتهم على حمل هذه الأثقال في البر والبحر مع قلة الآلات الرافعة، وقصور علم الحيل عما هو عليه في عصرنا.
قال أحد الباحثين من الفرنجة: في إسبانيا ميدان لدرس الصناعة العربية المغربية منذ بدايتها، وكان التردد بادئ بدء باديا عليها إلى أن ظهرت في مظهرها هذا على غاية من الغرابة والظرف، وقال بعضهم: إن الهندسة العربية قد أفرغت جهدها في قصور الحمراء، وأتت ما وسعها الإجادة والظرف بأمثلة تأخذ بمجامع القلوب في العمران، ولو لم يكن جل الاعتماد على الخشب والجص في البناء وهما مما تقل متانته؛ لأتت منها آثار خالدة أكثر مما أتت، ولكن مجموعها مدهش غريب يمجد خيمة العرب الرحل في البادية، ومن أغرب ما اصطنعوه عمل المقرنص في القباب من عدة قباب صغرى متناسقة بدون أن ترى اللحمة بينها، والنقش فيها قليل إلا ما كان من جمل نقشت بالحروف الكوفية أو العربية المشتبكة الأندلسية.
قلنا: ومعظم الآثار التي بناها الإسبان بعد سقوط آخر دولة الأندلس كانت بأيدي صناع من العرب، أبقوا عليهم لقيام مصانعهم، وذلك لأن الإسبان كانوا متأخرين في الهندسة والصنائع النفيسة، وأهم ما يتنافس فيه الإسبان إلى اليوم القيشاني فإنك تراه في كل بيت وكنيسة وحائط ونزل ومدرسة ومتحف، وهو أنواع؛ منه ما يجعل على الأرض، ومنه ما يجعل على طول قامة الإنسان في الجدران المختلفة، وللآجر عندهم شأن عظيم في البناء، وقد يدوم قرونا كما شاهدنا ذلك في خرائب الفسطاط بمصر، وأكثره من بناء القرن الأول للهجرة.
يصعب تعداد المصانع التي شادها العرب في أوقات مختلفة في الأصقاع التي نزلوها، كما يصعب إعطاء حكم تام على معالمهم؛ لأن كثيرا من بنيان الأندلس عور بتداول الأيام، فصح في مدنها ودساكرها أحد الأندلسيين في بلنسية، وقد عاث العدو فيها:
عاثت بساحتك الظبا يا دار
ومحا محاسنك البلى والنار
فإذا تردد في جنابك ناظر
طال اعتبار فيك واستعبار
أرض تقاذفت الخطوب بأهلها
وتمخضت بخرابها الأقدار
كتبت يد الحدثان في عرصاتها
لا أنت أنت ولا الديار ديار
الفصل السادس
| أهل الأندلس
كان الجيش الذي فتح الأندلس بادئ بدء مؤلفا من قليل من العرب ومن البربر سكان الغرب الأقصى والأوسط وما إليهما. نزل كل فريق منهم في بقعة فأعمرها، وأقطعهم القواد ما رحل عنه أهله من المزارع والمداشر، وقد فرق الحسام بن ضرار الذي ولي إمارة الأندلس في سنة 125، وخضعت لسلطانه جميع العرب الشاميين الغالبين على البلد، وأبعدهم عن دار الإمارة قرطبة؛ إذ كانت لا تحملهم، وأنزلهم مع العرب البلديين أي السابقين إلى الأندلس في سنة الفتح سنة 92 للهجرة، والشاميون هم الذين دخلوا سنة 125. أنزلهم على شبه منازلهم في كور شامهم، وتوسع لهم في البلاد، فأنزل في كورتي أكشونبة وباجة جند مصر مع البلديين الأول، وأنزل باقيهم في كورة تدمير، وأنزل في كورتي لبلة وإشبيلية جند حمص مع الأول أيضا، وأنزل في كورتي شذونة والجزيرة جند فلسطين، وأنزل في كورة رية جند الأردن، وأنزل في كورة ألبيرة جند دمشق، وأنزل في كورة جيان جند قنسرين أي حلب، وجعل لهم ثلث أموال أهل الذمة من العجم طعمة، وبقي العرب البلديون من الجند الأول على ما بأيديهم من أموالهم لم يعرض لهم في شيء منها. فلما رأوا بلادا شبه بلادهم خصبا وتوسعة سكنوا واغتبطوا وتمولوا.