انقرض ملك بني مروان من الأندلس سنة 407ه على رأس مائتي سنة وثمان وستين سنة وثلاثة وأربعين يوما، بعد أن جمعوا الشمل، ورأبوا الصدع، وأحيوا المعالم، ونشروا العدل، وخدموا الحضارة، وكانت أيامهم أعراسا وأفراحا، فتفرق الملك بأيدي ملوك الطوائف فكان «كل ملك لما بيده، فضبط أشراف العمالات أزمة أمورهم، وركبوا ظهور غرورهم، وتنافسوا في انتحال الألقاب السلطانية، فأتوا من ذلك بكل شنيعة» إلى أن قام رأس المرابطين وأمير المسلمين يوسف بن تاشفين اللمتوني صاحب المغرب الأقصى، وأعاد للبلاد مع ابنه علي بن يوسف سالف نضارتها، ودعا للخلافة العباسية على منابر الأندلس، ولم تزل الدعوة للعباسيين وذكر خلفائها على منابر الأندلس والمغرب إلى أن انقطعت بقيام ابن تومرت مع المصادمة في بلاد السوس.
تنفس خناق البلاد بالقوة الجديدة التي جاءت بها دولة المرابطين؛ لشد أزر المسلمين في الأندلس، كما عادت إليهم بعض القوة على عهد الموحدين، وكان هؤلاء لا يتوقفون عن نجدة إخوانهم في الأندلس حتى إن الخليفة المنصور من الموحدين لما دنت وفاته جمع بنيه والموحدين، ووصاهم وصايا؛ منها: أيها الناس أوصيكم بتقوى الله «وأوصيكم بالأيتام واليتيمة» أراد بالأيتام أهل جزيرة الأندلس وباليتيمة بلاد الأندلس، إلا أن أحوال الجزيرة اختلت في أواخر دولة أمير المسلمين علي بن يوسف، فأوجب ذلك تخاذل المرابطين، وتواكلهم وميلهم إلى الدعة، وإيثارهم الراحة، وطاعتهم النساء؛ فهانوا على أهل الجزيرة، وقلوا في أعينهم، واجترأ عليهم العدو، واستولى النصارى على كثير من الثغور المجاورة لبلادهم، وكادت الأندلس تعود إلى سيرتها الأولى بعد انقطاع دولة بني أمية، فاستدعى عقلاء الجزيرة بني مرين من بر العدوة فجاءهم أميرها سنة 658 في جيش ضخم فملك بالأندلس ثلاثة وخمسين مسورا ما بين مدن وحصون، وهو أول من ملك العدوتين من بني مرين، وجاهد الفرنج فدوخ بلادهم، وكانت قبل جوازه إلى الأندلس تستطيل على المسلمين، وملكوا قواعد الأندلس وأكثر حصونها مثل قرطبة وإشبيلية وجيان وشاطبة ودانية ومرسية ... وغيرها، ولم تنتشر للإسلام راية منذ وقعة العقاب
3
سنة 609 إلى أن جاءت رايته وكانت الحروب والغزوات متصلة بين العرب وأعدائهم في القرن الخامس والسادس والسابع، وكثيرا ما يؤدي ملوك العرب الجزية للإفرنج بعد أن كان هؤلاء في القرن الأول والثاني والثالث والرابع يؤدون إلى العرب الجزية، ولما أغلظ ابن تاشفين لألفونس الكلام في المكاتبة قال هذا: «بمثل هذه المخاطبة يخاطبني وأنا وأبي نغرم الجزية لأهل ملته منذ ثمانين سنة! وكان ذلك سنة تسع وتسعين وأربعمائة.
وبعد أن زال حكم الموحدين من إسبانيا دخلت في حكم محمد بن يوسف بن هود من بطليوس إلى مرسية وقرطبة وإشبيلية سنة 626، ولما هلك التف المسلمون حول محمد بن يوسف بن الأحمر من أسرة بني نصر، فاستولى على الأندلس سنة 629، فدام فيه وفي أعقابه نحو قرنين ونصف كان الضعف رائد دولتهم أولا حتى لقد صالح ابن الأحمر ألفونس ملك إسبانيا سنة 665 على أن أعطاه نحو أربعين مسورا من بلاد المسلمين من الشرق، فقال أبو محمد الرندي يرثي الأندلس، ويستصرخ أهل العدوة من بني مرين، قصيدته المشهورة التي يقول فيها:
دهى الجزيرة خطب لا عزاء له
هوى له أحد وانهد ثهلان
أصابها العين في الإسلام فامتحنت
حتى خلت منه أوطان وبلدان
فسل بلنسية ما شأن مرسية
وأين شاطبة أم أين جيان
وأين قرطبة دار العلوم فكم
من عالم قد سما فيها له شان
وعاد أمر المسلمين فضعف، وبنو الأحمر آخر ملوك الأندلس يستصرخون الموحدين من أهل العدوة فينجدونهم حتى رسخت أقدام الملوك من بني الأحمر أو بني نصر في بقعة صغيرة من البلاد، جعلوا غرناطة عاصمتها، ولما انقرضت دولة الموحدين اعتمد بنو الأحمر على قوتهم في حماية سلطانهم حتى ضعف أمرهم، وصحت نية الإسبان على إخراجهم من شبه جزيرة إسبانيا باتفاق إيزابيلا الكاثوليكية وفرديناند واتحاد ملوك أرغن وقشتالة ونافار تحت سلطان واحد، وكان خروج آخر ملك من بني الأحمر من بلاد الأندلس سنة 897ه، ويومئذ انتهى حكم العرب هناك.