تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة ثلاث وتسعين دخل موسى بن نصير في ثمانية عشر ألفا من وجوه العرب والموالي وعرفاء البربر، وقد بلغه ما صنعه طارق بن زياد فحسده، وخشي أن ينال شرف الفتح دونه أمام الخليفة من بني أمية. فلم يلبث أن فتح من المدن ما لم يفتحه طارق مولاه؛ فافتتح مدينة شذونة وقرمونة وإشبيلية، وحاصر هذه أشهرا، فهرب أهلها إلى مدينة باجة، فمضى موسى إلى مدينة ماردة، وقاتلهم عليها أشهرا، فصالحه أهلها على أن جميع أموال القتلى وأموال الهاربين إلى جليقية للمسلمين وأموال الكنائس وحليها له، ثم افتتح سرقسطة ومدائنها.

ذكروا أن المسلمين انتهوا إلى مدينة لوطون قاعدة الإفرنج، ولم يبق لأهل الإسلام شيء لم يتغلبوا عليه مما وراء ذلك إلا جبال قرقوشة وجبال بنبلونة وصخرة جليقية، فأما الصخرة فلم يبق فيها مع ملك جليقية إلا ثلاثمائة رجل تلفوا بالموت والجوع والحصار، فلما لم يبق منهم إلا ثلاثمائة رجل، ورأى ذلك المرتبون على حصارهم استقبلوهم ، فتركوهم فلم يزالوا يزدادون حتى كانوا سبب إخراج المسلمين من جليقية وهي قشتيلية.

هذه زبدة مما قاله المؤرخون في فتح الأندلس، ولا شك أن قرب سواحلها من شواطئ إفريقية قد ساعد العرب كثيرا على هذا الفتح، فإن المجاز أو الزقاق كما كان يسميه العرب بين البرين بر العدوة

1

وبر الأندلس قريب جدا يسهل معه نقل الذخائر والجيش من إفريقية؛ وذلك لأن الزقاق في موضع يعرف بجزيرة طريف من بر الأندلس يقابل قصر مصمودة بإزاء سلا في الغرب الأقصى، وعرضه اثنا عشر ميلا، ومن الجزيرة الخضراء في الأندلس إلى مدينة سبتة ثمانية عشر ميلا، والباخرة تقطع المسافة اليوم من الجزيرة الخضراء أو جبل طارق إلى طنجة فرضة الغرب الأقصى فى نحو ثلاث ساعات.

وأنت ترى أن معدات الفتح عند العرب كانت قليلة، ومع هذا استصفوا الأندلس في مدة وجيزة؛ وذلك لأن الاختلاط القديم المستحكم للجوار بين أهل الأندلس وبين أهل شمالي إفريقية، وتغلب الأندلسيين أحيانا على بلاد البربر أي المغرب الأقصى والأوسط، قد هيأ لسكان البلاد بل لقوادها وحكامها من العرب أن يعرفوا معالم الأندلس ومجاهلها، ويقفوا على مواطن الضعف من حكوماتها، فقد جاءوها والاختلاف بين ملوكها على أشده، والبلاد قد جاعت قبل مجيئهم ثلاث سنين (من سنة ثمان وثمانين إلى سنة تسعين) ثم وبئت حتى مات نصف أهلها أو أكثر، وإذا صح أن الملك الأعظم في طليطلة جيش على العرب مائة ألف مقاتل وهو مستبعد، فإن جيش موسى بن نصير البالغ اثني عشر ألفا قد تغلب عليه لا بعدده بل بما للعرب من الاضطلاع بأمور الحرب. هذا، وأهل البلاد كانوا في الجملة يريدون الخلاص مما هم فيه من سوء الحال ولا سيما اليهود، فإنهم كانوا قبل بضع سنين قد ذاقوا الأمرين من حكوماتهم ومواطنيهم المسيحيين، فلما جاء العرب الفاتحون كانوا أدلاءهم وأكبر ردء لهم لعلمهم بأنه ينفس خناقهم بالفاتحين، وكان المسلمون كلما دخلوا بلدا جعلوا نصف حاميته من اليهود والنصف الآخر منهم ثقة في أبناء إسرائيل وضعها المسلمون فيهم مدة كونهم في الأندلس.

تولى البلاد المفتوحة عمال الدولة الأموية في الشرق، وتعاقب عليها قوادهم ومواليهم منذ سنة 92ه، وخطب باسم خلفائهم على منابرها، ثم خطب مدة قليلة للعباسيين

2

بعد سقوط دولة الأمويين بالمشرق حتى إذا كانت سنة 138 جاء من الشرق هاربا عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان المسمى بالداخل، فتغلب بواسطة جماعة من أهل بيته وموالي آل مروان، وبما له من العصبية في قبائل زنانة أخواله، وكانت والدته منهم، حتى استولى على الأندلسيين، وبذل أهلها له الطاعة؛ فأصلح من شأنها ورفع وأبناؤه وأحفاده من بعده شأن خلافتهم هناك، وأجمعت القلوب على حبهم، وقل المنتقضون على ملكهم المتوثبون على سلطانهم، ولقد أنصف المنصور العباسي عندما لقب عبد الرحمن الأموي بصقر قريش؛ لأنه «عبر البحر وقطع القفر، ودخل بلدا أعجميا مفردا، فمصر الأمصار، وجند الأجناد، ودون الدواوين، وأقام سلطانا بعد انقطاعه، بحسن تدبيره وشدة شكيمته.»

غابر الأندلس وحاضرها · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غابر الأندلس وحاضرهاص ٦