ثم إن الملك أمر الأمير محمد بن علي بالانصراف من غرناطة إلى قرية أندرش من قرى البشرة، فارتحل بعياله وحشمه وأمواله وأتباعه، ثم ظهر له أن يصرفه فبعث للمراكب تأتي لمرسى عذرة، واجتمع معه خلق كثير ممن أراد الجواز، فركب الأمير محمد ومن معه في تلك المراكب حتى نزلوا مدينة مليلة ففاس من عدوة المغرب.
وأخذ ملك الإسبان بعد حين ينقض الشروط التي اشترطها عليه المسلمون، وشرع يفرض عليهم الفروض، وثقلت عليهم المغارم، وقطع لهم الأذان، وأمرهم بالخروج من مدينة غرناطة إلى الأرباض والقرى، وبعد ذلك دعاهم إلى التنصر وأكرههم عليه، وذلك سنة أربع وتسعمائة فدخلوا في دينه كرها، وصارت الأندلس كلها نصرانية، وامتنع بعض أهل الأندلس من التنصر كأهل قرية ونجر والبشرة وأندرش وبلفيق فأحاط بهم ملك قشتالة وقتل رجالهم وسبى نساءهم وأخذ صبيانهم وسلب أموالهم ونصرهم واستعبدهم، وامتنع أناس في غربي الأندلس من التنصر، وانحازوا إلى جبل وعر منيع، فلما امتنعوا عليه وقاتلهم فلم ينل منهم منالا أعطاهم الأمان على أن يجوزهم لعدوة المغرب مؤمنين على أن لا يسرح لهم شيئا من أموالهم غير الثياب التي كانت عليهم، وجوزهم لعدوة المغرب كما شرطوا، ولم تقم للإسلام والمسلمين بعد ذلك قائمة.
قال السلاوي: التزم أهل غرناطة طاعة صاحب قشتالة لما استولى عليها سنة سبع وتسعين وثمانمائة، والبقاء تحت حكمه، ولما نقض الشروط وهي سبعة وستون شرطا عروة عروة ومنها شريعة المسلمين على ما كانت، ولا يحكم على أحد منهم إلا بشريعتهم، وأن تبقى المساجد كما كانت والأوقاف كذلك، إلى أن آل الحال لحملهم على التنصر فتنصروا عن آخرهم بادية وحاضرة، وكان أهل الأندلس كثيرا ما يهاجرون إلى بلاد الإسلام غير أن عامتهم كانوا قد تخلقوا بأخلاق العجم (غير العرب من الإسبان) وأثر فيهم ذلك أثرا ظاهرا؛ لطول صحبتهم لهم، ونشأة أعقابهم بين أظهرهم إلى أن كانت سنة ست عشرة وألف فهاجر جميع من لم يتنصر منهم إلى بلاد المغرب وغيرها، وفي خلال ذلك منع العرب من التكلم بالعربية.
1
قال المقري: كان النصارى بالأندلس قد شددوا على المسلمين بها في التنصر حتى إنهم أحرقوا منهم كثيرا بسبب ذلك، ومنعوهم من حمل السكين الصغير فضلا عن غيرها من الحديد، وقاموا في بعض الجبال على النصارى مرارا، ولم يقيض الله لهم ناصرا إلى أن كان إخراج النصارى إياهم أعوام سبعة عشر وألف؛ فخرجت ألوف بفاس، وألوف أخر بتلمسان ووهران، وخرج جمهورهم بتونس، وخرج طوائف بتطاوين وسلا والجزائر، وعمروا القرى، واغتبط بهم الناس، وتعلموا حرفهم، وقلدوا ترفهم
2
ووصل جماعة منهم إلى القسطنطينية وإلى مصر والشام، وغيرها من بلاد الإسلام.
هذا ما رواه مؤرخو العرب، وإليك ما قاله مؤرخو الإفرنج في هذه الكارثة: جاء في التاريخ العام للأفيس ورامبو: صحت النية سنة 1609 على نفي العرب
Les morisques
وكانوا يؤلفون عنصرا خاصا عصي على التمثل، ولم ينزل عن مشخصاته ومميزاته على كثرة ما بذل فيليب الثاني من الجهد فوقع الاتفاق على التذرع بكل ما يمكن لإهلاكهم، فعمدت الحكومة إلى الخروج عن القانون بدعوى قيامها بما فيه سلامتها، ولإنجاز وحدة إسبانيا، وإنقاذ البلاد من أولئك المخالفين سرا للأتراك والإنجليز والفرنسيين، على حين اشتدت شوكة قرصان البحر من البربر، وهنري الرابع يضع خططه السرية؛ فحاذت إسبانيا العواقب، وقام رئيس أساقفة بلنسية يدعو إلى طرد العرب مدعيا أن منهم تسعين ألفا يستطيعون حمل السلاح، وإذا غار على إسبانيا عدوها تسوء حالها، ويحرج موقعها، وإذ كان القشتالي كسلانا فقيرا كان يكره من العرب منافستهم الشديدة له التي أكسبتهم غنى بفضل اقتصادهم، نادى رئيس الأساقفة أن مما يخشى منه أن يحتكر هؤلاء العرب جميع ثروتنا، ويؤدوا بالمسيحيين إلى العدم والشقاء، وقال غيره: إنهم يدخرون على الدوام، وعملهم عبارة عن سرقتنا، فهم الدودة التي تقرض إسبانيا.