تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى هذا كان من التعصب الديني أن قضي على العرب، ولما تعذر تنصيرهم رأوا أن الطريق الوحيد إلى الخلاص من خطرهم المادي والمعنوي يكون بطردهم، فقوي نفوذ رجال الكهنوت على ممثلي طبقات الأشراف في البلاد، وكانت عقول هؤلاء أكثر استنارة يحرصون على الاحتفاظ بالعرب في بلادهم؛ لأنهم عاملون ينفعونهم بعملهم، ويدرون عليهم ريعا كبيرا، فقاموا ينكرون الشدة التي ارتأى أن يعمد إليها المجلس والحبر نديم الملك، فلم يلبث بقايا العرب في بلنسية والأندلس ومرسية وقشتالة وأرغون وكتلون أن غربوا (أيلول 1609-تموز 1610) وحملوا إلى إفريقية حيث هلك عدد كبير منهم، وثار أربعون ألفا منهم فاعتصموا في جبال بلنسية فذبحوا أو استعبدوا، ففقدت إسبانيا بهم على أقرب تقدير من خمسمائة إلى ستمائة ألف من أحسن العاملين في الزراعة والصناعات، وعجلت بذلك خرابها، وبعملها هذا ابتاعت وحدتها الدينية بالثمن الغالي، وفرح الرأي العام الإسباني إذ ذاك بما تم في هذا الشأن، وعدوه من أعظم الأعمال التي قامت في عهد ملكهم، ومنهم من رأوه نعمة من السماء! وقال مؤرخ إسباني: يا لسعادة ملك توفق إلى أن يعمل هذا العمل من طرد العرب، ولكن الأمم خارج إسبانيا عدوا عمل الإسبانيين من تغريب العرب جنونا؛ بل وصفه ريشليو بأنه أفظع عمل بربري ذكره تاريخ القرون.

وفي التاريخ العام أيضا أن خضوع العرب في إسبانيا قد أقلق ملوك الكاثوليك

3

وفتح أمامهم مسألة تطالوا إلى حلها بما عهد في عنصرهم من المضاء الوحشي، وبما اشتهرت به قرون التدين من التعصب، وعدم التسامح، فرأوا أن بعض مئات الألوف من الإسرائيليين والمسيحيين يكثرون سواد المخالفين، وهم كثير نسلهم لا يعلم ماذا يكون منهم، وهم على ما هم فيه من النمو يغتنمون ويعملون، فاشتد القلق من قوم يخالفون الإسبانيين بحضارتهم؛ بل يعجبون بها ولهم ميول وعقائد وعواطف تخالف ما عليه الجمهور، فبدءوا بالإسرائيليين حتى إن مايكل لوكاس أعظم سادات قشتالة ذبحه سكان حيان أمام المذبح في الكنيسة سنة 1473 لاتهامه بالعطف على الإسرائيليين.

وكان من مذابح سنة 1390 أن اضطرت ألوف من اليهود في معظم مدن قشتالة أن يتنصروا، ومنهم من دام على نصرانيته، ومنهم من رجع إلى دينه الأصلي أو كان ظاهره مسيحيا وقلبه وعاداته قلب إسرائيلي وعاده، وكان منهم طبقة غنية محترمة، وفي سنة 1481 وقع تخييرهم بين التنصير والجلاء فآثروا الثاني إلا أن ديوان التفتيش لم تأخذه بهم رحمة كما لم يشفق على المسلمين سنة 1492 فشقوا عصا الطاعة بما رأوه من تعصب الكاردينال كسيمنس

4

الذي عمد إلى تنصيرهم بأبشع الطرق من الحبس والشدة، وأخذ الأولاد، ولما فرغ صبرهم وعمدوا إلى السلاح نقض ما أعطوه من الشروط يوم تسليمهم غرناطة، ولئن فضلوا أن يتنصروا على أن يهجروا بلادهم فإنهم لم يسلموا أيضا، واشتد ديوان التفتيش في مراقبتهم، وكان الإسبانيون يرون في عمل هذا الديوان الديني سلامة عنصرهم وسلامة دينهم، ولذلك كانوا شاكرين لعمله مهما قسا وغرم.

وقال ريناخ: لم تكتف إسبانيا بما قامت به من المظالم باسم الدين وإحراق البشر وقتلهم وتعذيبهم؛ بل رأت أن توهم الناس أنه لا سبيل إلى قيام وحدتها إلا بنفي اليهود سنة 1492 ونفي العرب (1609) فسار مئات الألوف منهم يهجرون بلادهم، وهلك منهم في الطرق عشرات الألوف، فحرمت إسبانيا من أحسن العاملين فيها ، وفقدت تجارها الماهرين، وأطباءها الحاذقين، وقد قتل في إسبانيا وحدها بفعل ديوان التفتيش الديني نحو مائة ألف إنسان على الأقل، ونفي منها مليون ونصف، وبذلك خربت مدنية تلك البلاد الجميلة.

وقال سيديليو: كان طرد العرب من إسبانيا من موجبات تأخرها كما وقع لمدينة نانت يوم طرد منها من كان مخالفا للكثلكة فأضر ذلك بالصناعة الفرنساوية، وقد تمكن الكردينال كسيمنس من تعوير جميع آثار المسلمين، وأمر بإحراق ثمانين ألف مخطوط عربي في ساحات غرناطة.

غابر الأندلس وحاضرها · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غابر الأندلس وحاضرهاص ٤٣