تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تود كل أمة اليوم مهما بلغ من تراجع الحضارة بينها أن تحكم نفسها بنفسها، وتمثل مشخصاتها ومقدساتها، فهل ينال العرب هذه الأمنية، وهم ليسوا دون بعض الأمم الأوروبية التي أخذت تتمتع الواحدة تلو الأخرى باستقلالها منذ قرن من الزمن، فليس كل أمم أوروبا بحضارتهم الإنكليز والألمان والفرنسيين، ولا كل الشعوب العربية على مستوى واحد في الحضارة والنور.

الفصل التاسع عشر

| جلاء المسلمين وتنصيرهم

لما استولى العرب المسلمون على الأندلس لم يكرهوا أحدا من سكان البلاد الأصليين على الدخول في دينهم؛ بل أظهروا التسامح المقبول الذي يأمرهم به الدين الحنيف، وأطلقوا للناس حريتهم في ذلك، فكان الإسبانيون يدينون بالإسلام برضاهم.

فعهد العرب إذا في الأندلس كان عهد تسامح وحرية، لم تعهده من قبل ولا من بعد، ولم يمنع عن بث الدين المسيحي إلا دعاته المفرطون، ممن كانوا يقفون على أبواب المساجد والجوامع، ويدعون المسلمين إلى دينهم، ولا جوزوا أخذ مال أحد من أهل ذمتهم؛ بل اكتفوا بجزية بسيطة، وساووهم في جميع الأمور بأنفسهم.

مثال من لطف الحكم تعلمه الفاتحون من كتابهم فلم يحيدوا عنه قيد غلوة، وهم في عز سلطانهم، والقول الفصل في الأرض كلها لهم ولقومهم مدة قرون طويلة.

هكذا فعل العرب في إبان قوتهم، فانظر ماذا صنع الإسبان يوم قوي سلطانهم، وكيف عاملوا العرب نقلا عن شاهد العيان قال: لما استولى صاحب قشتالة على مدينة بلش عام اثنين وتسعين وثمانمائة، ودخلت في ذمته جميع القرى التي تلي بلش وقرى جبل منتميس وحصن قمارش خرج أهل بلش من بلدهم مؤمنين، وحملوا ما قدروا على حمله من أموالهم؛ فمنهم من جوزه العدو إلى أرض العدوة، ومنهم من أقام في بعض تلك القرى، ومنهم من صار إلى أرض المسلمين التي بقيت بالأندلس.

ولما استولى الغالبون على مدينة مالقة وبلش وجميع الجهات لم يبق للمسلمين في تلك الناحية ملجأ، وفي عام ثلاثة وتسعين وثمانمائة خرج العدو نحو حصون الشرقية، وكانت في صلحه فاستولى على تلك الحصون كلها، وفي سنة 894 خرج نحو حصن موجر فاستولى عليه وعلى الحصون القريبة منه ومن مدينة بسطة.

وكان صاحب قشتالة كثيرا ما يستعين بالمرتدين والمدجنين على قتال المسلمين يدلونه على عوراتهم، ولطالما أمر بهدم المدن والقرى التي يستولي عليها يبني بأنقاضها مسورات في بضعة أيام كما فعل في غرناطة، ومن جملة الشروط التي شرط أهل غرناطة على ملك قشتالة: أن يؤمنهم في أنفسهم ونسائهم وصبيانهم ومواشيهم ورباعهم وجناتهم ومحارثهم وجميع ما بأيديهم، ولا يغرمون إلا الزكاة والعشر لمن أراد الإقامة ببلدة غرناطة، ومن أراد الخروج منها يبيع أصله بما يرضاه من الثمن لمن يريده من النصارى والمسلمين من غير غبن، ومن أراد الجواز لبلاد العدوة بالغرب يبيع أصله، ويحمل أمتعته، ويحمله في مراكبه إلى أي أرض أراد من بلاد المسلمين من غير كراء ولا شيء يلزمه لمدة ثلاث سنين، ومن أراد الإقامة من المسلمين بغرناطة فله الأمان على نحو ما ذكر، وكتب لهم بذلك كتابا، وأخذ عليه عهودا ومواثيق في دينه مغلظة، وبعد ذلك أخلى المسلمون مدينة الحمراء كما أخلوا غرناطة، ودخلها الإسبانيون، ولما سمع أهل البشرة أن أهل غرناطة دخلت تحت ذمة النصارى أرسلوا بيعتهم إلى ملك الروم، ودخلوا في بيعته، فلم يبق للمسلمين موضع بالأندلس.

ولقد صرح صاحب قشتالة للمسلمين بالجواز إلى الساحل، فصار كل من أراد الجواز يبيع ماله ورباعه ودوره، فكان الواحد يبيع الدار الكبيرة الواسعة المعتبرة بالثمن القليل، وكذلك يبيع جنانه وأرض حرثه وكرمه وفدانه بأقل من ثمن الغلة التي كانت فيه، فمنهم من اشتراه منه المسلمون الذين عزموا على الدجن، ومنهم من اشتراه منه النصارى، وكذلك جميع الحوائج والأمتعة، ومن المسلمين من ظلموا في عناية ملك النصارى بهم فاشتروا أموالا رخيصة وأمتعة، وعزموا على المقام في الأندلس.

غابر الأندلس وحاضرها · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غابر الأندلس وحاضرهاص ٤١