تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جاء في دائرة المعارف الإسلامية: وإذا ما وقع التنظير بين قصر الحمراء والقصور والجوامع التي بنيت على ذاك العهد في القاهرة مثلا كجامع السلطان حسن الذي بني سنة 1356م تبين الفرق العظيم بين البنائين؛ فإنك ترى لهندسة جامع القاهرة أمثالا كثيرة، في حين بني قصر الحمراء على غير محتذى، ولا يوجد في مملكة من الممالك قصر إسلامي مثل الحمراء، وبقدمه لم يبن له شبيه مع أنه شيد بمواد سريعة الانحلال اللهم إلا أبنية العصر الأموي التي عثر عليها الباحثون في بادية الشام شرقي بلاد موآب، وبعض الخرائب من العصر العباسي في سامراء والرقة.

وقصارى القول: إن الحمراء مصيف تحف به حدائق واسعة ومتنزهات، وفيه المياه الجارية والنبات والحيوان الكثير، ونقوشه تبهر الأبصار، وفي مسالك الأبصار: إن الحمراء كثيرة المباني الضخمة والقصور ظريفة جدا يجري الماء تحت بلاط كما يجري في المدينة فلا يخلو منه مسجد ولا بيت، وبأعلى برج منها عين ماء، وجامعها من أبدع الجوامع حسنا، وأحسنها بناء، وبه الثريات الفضية معلقة، وبحائط محرابه أحجار ياقوت مرصعة في جملة ما نمق به من الذهب والفضة، ومنبره من العاج والأبنوس.

ولما استولى ملوك قشتالة على الحمراء سلموها إلى مهندسين من العرب بلغ من حذقهم أنك لا تعرف ما أدخلوه فيها من الإصلاح، ولا تميزه عن الأصل الذي كانت عليه من قبل، ودام هذا الترميم في الحمراء إلى ثورة العرب سنة 1569، وفي سنة 1522 أصيب بهزة أرضية، وفي سنة 1590 بحريق في مطحنة بارود سببت خراب أقسام منها، ثم تركت وشأنها في القرن السابع عشر والثامن عشر، وقد نسف جنود نابليون سنة 1812 قسما منها بالمواد الملتهبة معتبرين الحمراء حصنا، وذلك عند جلائهم عن إسبانيا، ثم أخذت همة حكومة إسبانيا تتجدد لإعادة الحمراء إلى حالتها الأولى.

ويقول جوسيه: إن ملوك إسبانيا لما دخلوا الحمراء لم يعاملوا آثار خصومهم معاملة أعداء؛ بل معاملة أصحاب، وبعد أن ذكر كيف كانوا يتعهدونها، وكيف عهدوا إلى مهندسين من العرب استخدموهم لترميمها، قال: وأهملت الحمراء من بدء القرن السابع عشر إلى أواسط القرن الثامن عشر، فأخذ يسكنها جنود بياطرة، وأرباب حرف وحاكة وفاخرانيون وأسرات فقيرة، فكانت الأوساخ فيها وفي جدرانها، والناس يعبثون بما فيها، وربما أصابها شيء من البارود والقذائف فتبدلت محاسنها، وبليت بعض حيطانها ونقوشها ورسومها ومعالمها، ثم صحت نية حكومة إسبانيا على تعهد تلك القصور وإرجاعها إلى حالها، وكانت الهمة في هذا الشأن تفتر ثم تتجدد بحسب سلطان ملوك إسبانيا، ودرجتهم من العقل والفهم.

وفي هذا القصر أو المدينة البديعة ما عدا الآثار العربية قصر شارلكان أراد أن يوسع به دائرته سنة 1526 بناه من الجزية التي كان يتقاضاها من العرب؛ للسماح لهم بإجراء بعض شعائرهم. من أعمال شارلكان أبنية لم تتم؛ لقلة المال فيما يظهر، والغالب أنه حاول بما أنشأه من الأبنية أن يطمس آثار العرب؛ ليجعل لبنائه الرجحان، فلم يتم له ما أراد، وبقيت الحمراء أجمل مثال في القصور على مر العصور والدهور.

وليس في الحمراء من الفرش والأواني الباقية من عهد العرب سوى جرة طولها أكثر من متر، صنعت من تراب بالميناء، ولها لمعان لازوردي وذهبي، رسم عليها حيوانات ونقوش عربية، وهي من صنع معامل غرناطة في القديم.

هذه صورة مصغرة من وصف هذا القصر، وما طرأ عليه إلى يومنا هذا، وهو مقصد السائحين من أهل الأرض، وكأن ابن حمديس وصفه إذ قال:

قصر يقصر وهو غير مقصر

عن وصفه في الحين والإحسان

وكأنه من درة شفافة

تعشي العيون بشدة اللمعان

لا يرتقي الراقي إلى شرفاته

إلا بمعراج من اللحظان

عرج بأرض الناصرية كي ترى

شرف المكان وقدرة الإمكان

في جنة غناء فردوسية

غابر الأندلس وحاضرها · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غابر الأندلس وحاضرهاص ٣٧