تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتخالها والشمس تجلو لونها

نارا وألسنها اللواحس نورا

فكأنما سلت سيوف جداول

ذابت بلا نار فعدن غديرا

وكأنما نسج النسيم لمائه

درعا فقدر سردها تقديرا

وبديعة الثمرات تعبر نحوها

عيناي بحر عجائب مسجورا

شجرية ذهبية نزعت إلى

سحر يؤثر في النهى تأثيرا

قد صولجت أغصانها فكأنما

قنصت لهن من الفضاء طيورا

وكأنما تأبى لواقع طيرها

أن تستقل بنهضها وتطيرا

من كل واقعة ترى منقارها

ماء كسلسال اللجين نميرا

خرس تعد من الفصاح فإن شدت

جعلت تغرد بالمياه صقيرا

وكأنما في كل غصن فضة

لانت فأرسل خيطها مجرورا

وتريك في الصهريج موضع قطرها

فوق الزبرجد لؤلؤا منثورا

ضحكت محاسنه إليك كأنما

جعلت لها زهر النجوم ثغورا

ومصفح الأبواب تبرا نظروا

بالنقش بين شكوله تنظيرا

تبدو مسامير النضار كما علت

فلك النهود من الحسان صدورا

خلعت عليه غلائلا ورسية

شمس ترد الطرف عنه حسيرا

وإذا نظرت إلى غرائب سقفه

أبصرت روضا في السماء نضيرا

وعجبت من خطاف عسجده التي

حامت لتبني في ذراه وكورا

وضعت به صناعة أقلامها

فأرتك كل طريدة تصويرا

وكأنما للشمس فيه ليقة

مشقوا بها التزويق والتشجيرا

وكأن ماء اللازورد مخرم

بالخط في ورق السماء سطورا

وكأنما وشوا عليه ملاءة

تركوا مكان وشاحها مقصورا

يا مالك الأرض الذي أضحى له

ملك السماء على العداة نصيرا

كم من قصور للملوك تقدمت

واستوجبت لقصورك التأخيرا

فغمرتها وملكت كل رياسة

منها ودمرت العدا تدميرا

وهناك قاعة الحكم وقاعة بني سراج والمقصورة. تخرج من واحدة فتدخل في أخرى، فتخالك في جنة عالية، قطوفها دانية، لا تستطيع وصفها لبدائعها الكثيرة، وهناك قاعة اسمها قاعة الأختين كانت على ما يظهر لجلوس نساء الملك في الشتاء، ونقشها من أقصى ما بلغه النقش العربي من الإتقان، وأهم ما فيها المقرنص الذي حوى نحو خمسة آلاف شكل مختلف بعضها عن بعض، تألف منها مجموع يصعب لجماله وقبتها أعجوبة البناء، ومثال الصبر والعمل، وكأنها كانت في يد صانعها كالعجين يعمل فيها ما شاء من الصور، أو كأنها خلقت خلقة ولم تمسها يد بشر.

وبالقرب من قصور الحمراء جنة العريف، وهي حديثة كبرى، فيها جميع أشجار القطر وأزهاره قاست هندستها في منحدراتها وأكماتها وبسائطها على أسلوب يأخذ بمجامع القلوب، وفيها سطوح ومغاور ومخابئ وفوارات وسياج تشبه المصايف الإيطالية في عهد النهضة، وفيها كثير من شجر السرو، ومن جملتها سروة يدعونها سروة السلطان عمرها نحو ستمائة سنة، وتحتها فيما يقال تواعدت امرأة أبي عبد الله مع ابن سراج.

ولقد كان للسلطان أوائل المائة الثامنة في غرناطة ما يناهز مائة جنة مثل جنة العريف على ما روى صاحب الإحاطة بمدينة فيها مثل هذا العدد الدثر من الجنان، وذلك في الحقيقة من أمارات المدنية والرفاهية.

ورد ذكر الحمراء لأول مرة في واقعة حدثت سنة 277ه فاعتصم بها القيسيون من العرب، وقد أسرتهم عصابة من الإسبانيين فنجا الأمير الأموي بحيلة غريبة، وخرج مخرجا مدهشا مع رجاله، ولما استولى الموحدون على غرناطة التجأ المرابطون إلى هذا القصر، واشتهرت الحمراء على عهد دولة بني نصر أو بني الأحمر الذين استقلوه بإمارة غرناطة بعد سقوط قرطبة وإشبيلية، وجعلوها عاصمتهم، فأنشأ محمد بن الأحمر قصره الملكي بالقرب من السور والقلعة، وفي عهد الإمبراطور شارلكان جعل جامع الحمراء كنيسة، فأبدلت صورة القصر الملكي القديم، وأنشئ باب المدخل الذي يجتاز منه السور الذي طوله 3500 متر، وفيه عدة أبراج.

وقالوا: إن فرديناند وإيزابيلا الكاثوليكية عنيا كل العناية بالحمراء لما اغتنما فرصة اختلاف العرب وأمرائهم، وعزما على إخراج جميع العرب من إسبانيا، وقد أمرا بترميم نقوشها الداخلية، ورمما جدرانها، وكان شارلكان على شدة حرصه على آثار الحمراء والإبقاء عليها عمر مباني؛ ليخلد اسمه، ولكنها لم تتم، وأوردوا في معرض البرهان على ولوعه بالآثار العربية ما نسب إليه من القول عندما وقع بصره على آثار الحمراء: بالشقاء من أضاع كل هذا.

غابر الأندلس وحاضرها · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غابر الأندلس وحاضرهاص ٣٦