تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال في ذيل اللباب: فدخل (يعني أمير المؤمنين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن) إشبيلية في غرة صفر سنة 593 فأخذ في إتمام بناء الجامع، وتشييد منارة، وعمل التفافيح من أملح ما يكون من عظمة لا أعرف له قدرا إلا أن الوسط منها لم يدخل على باب المؤذن حتى قطع الرخامة من أسفلها، وزنة العمود الذي ركب عليه أربعون ربعا من الحديد، وكان الذي صنعها ورفعها في أعلى المنار المعلم أبو الليث الصقلي، وموهت تلك التفافيح بمائة ألف دينار ذهبا. ا.ه.

ومن أجمل ما في كنيسة إشبيلية اليوم والجامع أمس ناووس من الصلب فيه بقايا خريستوف كولمبس الملاح الجنوبي الذي اكتشف أميركا يحمله من أربعة أطراف ملك قشتالة وملك أرغون وملك ليون وملك نافار، وهو من صنع ميليدا سنة 1892 كان في كنيسة هافان، ثم نقل إلى إشبيلية سنة 1898 بعد أن تحررت كوبا من إسبانيا.

تقرب إشبيلية من البحر، ولا ترتفع عن سطحه أكثر من ثمانية أمتار، وقد قال الفرنجة فيها: ليست الجيرالدا ولا سائر مصانع إشبيلية، ولا كنوز آثارها وجميل نقوشها على الحيطان هي التي اشتهرت بها إشبيلية البديعة، ورددت المثل الذي سار فيها: «من لم ير إشبيلية لم ير غريبة.» بل إن ما اشتهرت به في جميع إسبانيا مظاهر سرور الحياة فيها من مراقص وأفراح ومواسم وحركة البهجة الدائمة التي تنبعث من سكانها على الدوام.

جرت مناظرة بين يدي منصور بن عبد المؤمن بين العالم أبي الوليد بن رشد والرئيس أبي بكر بن زهر؛ فقال ابن رشد لابن زهر في كلامه: ما أدري ما تقول غير أنه إذا مات عالم بإشبيلية فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حملت إلى إشبيلية، وبهذا عرفت أن إشبيلية بلدة طرب وسرور في معظم أدوارها، ولطبيعة الإقليم دخل كبير في هذا الشأن.

في إشبيلية قصور كما في قرطبة مصايف زرتها وزرت حدائقها، وطوفت في أعطافها، وهي ملك لأناس من أغنياء البلاد تتناقل من سيد فيهم إلى سيد، ومنها ما جعل كما هو بيت بيلاتوس على الداخل إليه جعل يتقاضاه الحارس؛ ليصرف على الفقراء، كما جعلت الحكومة على كل داخل إلى معهد من معاهد العرب وغيرهم جعلا من النقود؛ لتصرف منه على الترميم، فليس في البلاد ما يعفي الناظر إليه والزائر له من دفع النقود من متاحف وآثار إلا إذا كان بعض المغاور والحصون والسدود الخربة التي قامت في كل ناحية من أنحاء البلاد التي ظل فيها حكم العرب نافذا دهرا طويلا.

كانت إشبيلية تعد من العواصم بكثرة سكانها، ولما سقطت في أيدي الأعداء هاجر من مسلميها فقط زهاء ثلاثمائة ألف مسلم إلى قرطبة وجيان وبلنسية وغرناطة؛ حيث كانت راية بني نصر تخفق، وناهيك ببلدة يهاجر من سكانها هذا العدد، وسكانها اليوم 148 ألفا، وتعد من المدن المتجددة، وليس لها مسحة من القديم إلا ما كان من بعد عهد العرب، وقد سقطت من بعد جلائهم عنها إلى الحضيض.

الفصل الخامس عشر

| مدينة غرناطة

بلد تحف به الرياض كأنه

وجه جميل والرياض عذاره

وكأنما واديه معصم غادة

ومن الجسور المحكمات سواره

هذا ما قاله ابن الخطيب في هذه العاصمة آخر ما حكمته العرب من أرض الأندلس من عواصمها وحواضرها جمعت فيها بقاياهم وجالياتهم، فظلوا فيها نحو قرنين ونصف قرن، وعمروها فأدهشوا العالم بعمرانها. جاءها جميع المسلمين الذين لم يحبوا أن يبقوا في البلاد التي وقعت في قبضة العدو يحتمون بملوكها من بني نصر جاءها ألوفا ألوفا من قرطبة وإشبيلية وبلنسية يحملون إليها ما كان مبعثرا من الصنائع والثروة في تلك الأرجاء.

قالوا: إن غرناطة قاعدة بلاد الأندلس، وعروس مدنها، وخارجها لا نظير له في بلاد الدنيا، وهو مسيرة أربعين ميلا يخترقه نهر شنبل المشهور وسواه من الأنهر الكثيرة والبساتين والجنات والرياضات والقصور والكروم محدقة بها من كل جهة، وحكى ابن سعيد: أن غرناطة تسمى دمشق الأندلس؛ لسكنى أهل دمشق بها عند دخولهم الأندلس، وقد شبهوها بها لما رأوها كثيرة المياه والأشجار، وقد أطل عليها جبل الثلج

غابر الأندلس وحاضرها · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غابر الأندلس وحاضرهاص ٣٣