Sierra-Nevada
كما أطل جبل الثلج أو جبل الشيخ أو جبل حرمون على دمشق. وفي ذلك يقول ابن جبير:
يا دمشق الغرب
هاتيك لقد زدت عليها
تحتك الأنهار تجري
وهي تنصب إليها
قال ابن سعيد: أشار ابن جبير إلى أن غرناطة في مكان مشرف، وغوطتها تحتها تجري فيها الأنهار، ودمشق في وهدة تنصب إليها الأنهار، وقد قال الله تعالى في وصف الجنة:
تجري من تحتها الأنهار . أما غوطة غرناطة اليوم فليست كغوطة دمشق بأشجارها الملتفة، ولا كما كانت كذلك على عهد العرب، بل هي جرداء؛ ولذلك كان منظرها أشبه بمنظر سهل البقاع إذا أطلت عليه من سفوح لبنان الغربي.
وغرناطة في كورة ألبيرة من أشرف كور هذا الإقليم نزلها جند دمشق.
قال الرازي: وفحص ألبيرة، أي سوادها وريفها، لا يشبه بشيء من بقاع الأرض طيبا ولا شرفا إلا بالغوطة غوطة دمشق.
وقال ابن الخطيب: وفحصها، أي فحوص غرناطة، الأفيح المشبه بالغوطة الدمشقية حديث الركاب وسمر الليالي قد دحاه الله في بسط سهل تخترقه المذانب، وتخلله الأنهار والجداول، وتزاحم فيه الغرف والجنات في ذرع أربعين ميلا، ونحوها تنبو العين فيها عن وجهه، ولا تتخطى المحاسن منها مقدار رفعه الهضاب والجبال المتطامية منه بشكل ثلثي دائرة قد علت منه المدينة فيما يلي المركز من جهة القبلة مستندة إلى أطواد سامية، وهضاب عالية، ومناظر مشرقة؛ فهي قيد البصر، ومنتهى الحسن، ومعنى الكمال.
وينزل الثلج شتاء وصيفا على جبل غرناطة، وينبجس منه ستة وثلاثون نهرا، كما تنبجس من سفوحه العيون. قال أبو الحجاج بن حسان:
أحن إلى غرناطة كلما هفت
نسيم الصبا تهدي الصبا وتسوق
سقى الله من غرناطة كل منهل
بمنهل سحب ماؤهن هريق
يدور الحسن بين خيامها
وأرض بها قلب الشجي مشوق
أغرناطة العلياء بالله خبري:
أللهائم الباكي إليك طريق؟
وما شاقني إلا نضارة منظر
وبهجة دار للعيون تروق
تأمل إذا أملت حوز مؤمل
ومد من الحمرا عليك شقيق
وأعلام نجد والسكينة قد علت
وللشفق الأعلى تلوح بروق
وقد سل شنيل فرندا مهندا
نضى فوق در ذر فيه عقيق
إذا تم منه طيب نشر أراكه
أراك فتيت المسك وهو فتيق
ومهما بكى جفن الغمام تبسمت
ثغور أقاح في الرياض أنيق
ولما غدت غرناطة عاصمة ابن الأحمر من دولة بني نصر بالسيف تارة، وبحسن السياسة مع الأحزاب المعادية أو بمحالفة القشتاليين الإسبانيين وبني مرين المراكشيين تارة أخرى، جعلها العرب الذين طردوا من المدن المجاورة وطنا لهم، ونشط ملوكها الصنائع والتجارة، وعمروا الطرق والمجاري، وتسلسل ذلك فيها فأتم الثاني ما بدأ به الأول، وزينوا البلاد بأبنية بديعة؛ فأصبحت غرناطة أغنى مدينة في شبه جزيرة أيبيريا، وبحكمة أمرائها انبعثت منها شعلة المدنية المغربية في إسبانيا، وأنست عنايتهم بالزراعة والصناعة عهد قرطبة وما كان فيها من العلوم والصناعات وجمال البناء، وأصبحت قصورهم مثابة العلماء والأدباء والفلاسفة «فصارت المصر المقصود، والمعقل الذي تنضوي إليه العساكر والجنود.»
ولما استولى عليها الإسبان سنة 1491م بعد أن حاصروها سبعة أشهر فنيت خلالها أزواد المحاصرين من العرب، وفنيت خيلهم كما فني كثير من نجدة الرجال بالقتل والجراحات، كان سكانها نصف مليون نسمة (نفوسه اليوم 76 ألفا) فانحطت على عهد الإسبان بعد حين، وأقفرت من السكان بما أصدره الملوك الكاثوليك من الأوامر الخرقاء، ولما اشتدت فيها وطأة ديوان التفتيش الديني ظل الحكام والرهبان يستأصلون شأفة العرب حتى لم يبقوا منهم باقية، وكان لها على عهد العرب 1030 برجا متزاحمة بالبيوت، وقال ابن الخطيب: إن الأبراج بلغت إلى ما يناهز أربعة عشر ألفا، وكان في جوارها ما ينيف على ثلاثمائة قرية عدا ما يجاور الحضرة من قرى الإقليم، أو ما استضيف إليها من حدود الحصون المجاورة «وكان أكثرها أمصارا فيها ما يناهز خمسين خطبة تنصب فيها لله المنابر، وترفع الأيدي، وتتوجه الوجوه، ويشتمل سورها وما وراءه من الأرحاء الطاحنة بالماء ما ينيف على مائة وثلاثين رحى.»